فمتى كانت العبادة توجب له ضررا يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها، كانت محرمة، مثل أن يصوم صوما يضعفه عن الكسب الواجب أو يمنعه عن العقل، أو الفهم الواجب، أو يمنعه عن الجهاد الواجب، /وكذلك إذا كانت توقعه في محل محرم لا يقاوم مفسدته مصلحتها، مثل أن يخرج ماله كله، ثم يستشرف إلى أموال الناس ويسألهم.
وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها، وأوقعته في مكروهات، فإنها مكروهة. وقد أنزل الله ـ تعالى ـ في ذلك قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] ، فإنها نزلت في أقوام من الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا على التبتل للعبادة: هذا يسرد الصوم، وهذا يقوم الليل كله، وهذا يجتنب أكل اللحم، وهذا يجتنب النساء، فنهاهم الله ـ سبحانه وتعالى ـ عن تحريم الطيبات من أكل اللحم، والنساء، وعن الاعتداء وهو الزيادة على الدين المشروع في الصيام، والقيام، والقراءة، والذكر، ونحو ذلك، والزيادة في التحريم على ما حرم والزيادة في المباح على ما أبيح، ثم إنه أمرهم بعد هذا بكفارة ما عقدوه من اليمين على هذا التحريم، والعدوان.
وفي الصحيحين عن أنس: أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا /فلا آكل اللحم. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما بال أقوام يقولون: كذا، وكذا، لكني أصلي، وأنام، وأصوم، وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .
وفي الصحاح من غير وجه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه كان قد جعل يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقرأ القرآن في كل ثلاث، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (لا تفعل، فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمَتْ له العينُ، ونَفِهَتْ له النَّفسُ) أي: غارت العين وملت النفس، وسئمت. وقال له: (إن لنفْسِك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزَوْرِكَ عليك حقا فآت كل ذي حق حقه) .
فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن عليك أمورًا واجبة من حق النفس، والأهل، والزائرين، فليس لك أن تفعل ما يشغلك عن أداء هذه الحقوق الواجبة، بل آت كل ذي حقه حقه. ثم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقال: (إنه يعدل صيام الدهر) وأمره أن يقرأ القرآن في كل شهر مرة، فقال: إني أطيق أفضل من ذلك، ولم يزل يزايده، حتى قال: (فصم يوما، وأفطر يوما، فإن ذلك أفضل الصيام) قال: إني أطيق أفضل /من ذلك، قال: (لا أفضل من ذلك) .
وكان عبد الله بن عمرو لما كبر يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ربما عجز عن صوم يوم، وفطر يوم، فكان يفطر أيامًا، ثم يسرد الصيام أيامًا بقدرها، لئلا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم على حال ثم ينتقل عنها؛ وهذا لأن بدنه كان يتحمل ذلك، وإلا فمن الناس من إذا صام يوما، وأفطر يوما، شغله عما هو أفضل من ذلك، فلا يكون الصوم أفضل في حقه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا، فإنه كان أفضل من صوم داود، ومع هذا، فقد ثبت عنه في الصحيح أنه سئل عمن يصوم الدهر فقال: (من صام الدهر فلا صام، ولا أفطر) ، وسئل عمن يصوم يومين، ويفطر يوما، فقال: (ومن يطيق ذلك) ، وسئل عمن يصوم يوما، ويفطر يومين، فقال: (وددت أني طوقت ذلك) ، وسئل عمن يصوم يوما ويفطر يوما، فقال: (ذلك أفضل الصيام) ،فأخبر أنه ود أن يطيق صوم ثلث الدهر؛ لأنه كان له من الأعمال التي هي أوجب عليه، وأحب إلى الله ما لا يطيق معه صوم ثلث الدهر.