وكذلك ثبت عنه في الصحيح: أنه لما قرب من العدو في غزوة الفتح /في رمضان، أمر أصحابه بالفطر، فبلغه أن قوما صاموا فقال: (أولئك العصاة) وصلى على ظهر دابته مرة، وأمر من معه أن يصلوا على ظهور دوابهم، فوثب رجل عن ظهر دابته فصلى على الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مخالف، خالف الله به) فلم يمت حتى ارتد عن الإسلام. وقال ابن مسعود: إني إذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلىَّ. وهذا باب واسع قد بسط في غير هذا الموضع.
وأما الأصل الثاني: وهو أنه إذا عاهد الله على ذلك ونذره، فالأصل فيه ما أخرجا في الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) فإذا كان المنذور الذي عاهد الله يتضمن ضررا غير مباح، يفضي إلى ترك واجب، أو فعل محرم؛ كان هذا معصية لا يجب الوفاء به، بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله، وصيام النهار كله، لم يجب الوفاء بهذا النذر.
ثم تنازع العلماء: هل عليه كفارة يمين؟ على قولين:
أظهرهما: أن عليه كفارة يمين؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم / في الصحيح أنه قال: (كَفَّارة النَّذْر كَفَّارةُ اليمين) وقال: (النذر حلفة) وفي السنن عنه: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) ، وقد ذكرنا سبب نزول الآية.
ومثل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقال: (ما هذا؟) فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يستظل، ولا يتكلم، وأن يصوم. فقال: (مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) ، فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية أمره بفعل المشروع وهو الصوم في حقه، ونهاه عن فعل غير المشروع.
وأما إذا عجز عن فعل المنذور، أو كان عليه فيه مشقة، فهنا يكفر، ويأتي ببدل عن المنذور، كما في حديث عقبة بن عامر: أن أخته لما نذرت أن تحج ماشية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب ولتهد) وروي: (ولتصم) .
فهذا الرجل الذي عقد مع الله ـ تعالى ـ صوم نصف الدهر، وقد أضر ذلك بعقله، وبدنه عليه أن يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه، ويكفر كفارة يمين، ويكون فطره قدر ما يصلح به عقله وبدنه،/على حسب ما يحتمله حاله إما أن يفطر ثلثي الدهر، أو ثلاثة أرباعه، أو جميعه، فإذا أصلح حاله، فإن أمكنه العود إلى صوم يوم، وفطر يوم بلا مضرة، وإلا صام ما ينفعه من الصوم، ولا يشغله عما هو أحب إلى الله منه، فالله لا يحب أن يترك الأحب إليه بفعل ما هو دونه، فكيف يوجب ذلك؟!
وأما النور الذي وجده بهذا الصوم، فمعلوم أن جنس العبادات ليس شرًا محضًا، بل العبادات المنهي عنها تشتمل على منفعة ومضرة، ولكن لما ترجح ضررها على نفعها نهى عنها الشارع، كما نهى عن صيام الدهر، وقيام الليل كله دائما، وعن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، مع أن خلقا يجدون في المواصلة الدائمة نورا بسبب كثرة الجوع، وذلك من جنس ما يجده الكفار من أهل الكتاب والأميين، مثل الرهبان، وعباد القبور، لكن يعود ذلك الجوع المفرط الزائد على الحد المشروع يوجب لهم ضررا في الدنيا والآخرة، فيكون إثمه أكثر من نفعه، كما قد رأينا من هؤلاء خلقا كثيرا آل بهم الإفراط فيما يعانونه من شدائد الأعمال إلى التفريط والتثبيط، والملل والبطالة، وربما انقطعوا عن الله بالكلية، أو بالأعمال المرجوحة عن