فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 396

الراجحة، أو بذهاب العقل بالكلية، أو بحصول خلل فيه؛ وذلك لأن أصل أعمالهم وأساسها على غير استقامة ومتابعة.

/وأما قوله: أريد أن أقتل نفسي في اللّه. فهذا كلام مجمل، فإنه إذا فعل ما أمره اللّه

به، فأفضى ذلك إلى قتل نفسه، فهذا محسن في ذلك، كالذي يحمل على الصف وحده حملًا فيه منفعة للمسلمين، وقد اعتقد أنه يُقتل، فهذا حسن. وفي مثله أنزل اللّه قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] ، ومثل ما كان بعض الصحابة ينغمس في العدو بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى الخَلاَّلُ بإسناده عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا حمل على العدو وحده، فقال الناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال عمر: لا، ولكنه ممن قال اللّه فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} .

وأما إذا فعل ما لم يؤمر به، حتى أهلك نفسه، فهذا ظالم متعدٍ بذلك، مثل أن يغتسل من الجنابة في البرد الشديد بماء بارد يغلب على ظنه أنه يقتله، أو يصوم في رمضان صومًا يفضي إلى هلاكه، فهذا لا يجوز، فكيف في غير رمضان؟!

وقد روى أبو داود في سننه، في قصة الرجل الذي أصابته جراحة، فاستفتى من كان معه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة، فاغتسل، فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: / (قَتَلوه، قتلهم اللّه، هَلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شِفاءُ العيِّ السؤال)

وكذلك روى حديث عمرو بن العاص، لما أصابته الجنابة في غزوة ذات السلاسل، وكانت ليلة باردة فتيمم، وصلى بأصحابه بالتيمم، ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ياعمرو، أصليت بأصحابك، وأنت جنب؟) فقال: يارسول اللّه، إني سمعت اللّه يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29] فضحك، ولم يقل شيئًا. فهذا عمرو قد ذكر أن العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة مأمور بها، هي من قتل النفس المنهي عنه، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

وقتل الإنسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والإجماع، كما ثبت عنه في الصحاح أنه قال: (من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة) ، وفي الحديث الآخر: (عبدي بادأني بنفسه، فحرمتُ عليه الجنة، وأوجبت له النار) ، وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراح، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أنه من أهل النار، لعلمه بسوء خاتمته، وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يصلى على من /قتل نفسه؛ ولهذا قال سمرة بن جندب عن ابنه لما أخبر أنه بُشِمَ، فقال: لو مات لم أصل عليه.

فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهي اللّه عنه من قصد الإنسان قتل نفسه، أو تسببه في ذلك، وبين ما شرعه اللّه من بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم له، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة: 111] ، وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} [البقرة: 207] أي: يبيع نفسه.

والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة، لا بما يستحسنه المرء أو يجده، أو يراه من الأمور المخالفة للكتاب والسنة، بل قد يكون أحد هؤلاء كما قال عمر بن عبد العزيز: من عَبَدَ اللّه بجهل، أفسد أكثر مما يصلح.

ومما ينبغي أن يعرف: أن اللّه ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس، وحملها على المشاق، حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل، كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته، وفائدته،/وعلى قدر طاعة أمر اللّه ورسوله، فأي العملين كان أحسن، وصاحبه أطوع وأتبع، كان أفضل؛ فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت