ظَهَرَ عَلَى أَصْحَابِ الْجَمَلِ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ جَعَلَ لَهُمْ مَا فِي عَسْكَرِ الْقَوْمِ مِنْ السِّلَاحِ، فَقَالُوا: كَيْفَ تَحِلُّ لَنَا دِمَاؤُهُمْ وَلَا تَحِلُّ لَنَا أَمْوَالُهُمْ وَلَا نِسَاؤُهُمْ؟ قَالَ: هَاتُوا سِهَامَكُمْ فَأَقْرِعُوا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فَخَصَمَهُمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَحِلَّ لَمْ يَحِلَّ بَنُوهَا"وَهَذَا أَيْضًا أَثَرُهُ ضَعِيفٌ، وَمَدَارُهُ عَلَى نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ وَهُوَ الَّذِي رَوَى بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَشَدُّهَا فِتْنَةً عَلَى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَايِهِمْ فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ} فَإِنْ أَجَازُوهُ هُنَا فَلْيُجِيزُوهُ هُنَالِكَ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَمْ قَوْلَةٍ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه قَدْ خَالَفُوهَا بِآرَائِهِمْ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ عَلَقَةً إلَّا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عِصْمَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: بَهَشَ النَّاسُ إلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: اقْسِمْ بَيْنَنَا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: عَنَّتَنِي الرِّجَالُ فَعَنَّيْتهَا وَهَذِهِ ذُرِّيَّةُ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ فِي دَارِهِمْ، لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِمْ مَا أَوَتْ الدَّارُ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لَهُمْ، وَمَا أَجْلَبُوا بِهِ عَلَيْكُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ فَهُوَ لَكُمْ مَغْنَمٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذَا خَبَرٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ - رحمه الله - رَوَاهُ عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ، ثُمَّ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ - وَهُوَ هَالِكٌ كَذَّابٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ قَالَ: إنَّ جَمِيعَ أَمْوَالِهِمْ مُخَمَّسَةٌ مَغْنُومَةٌ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يَحِلُّ مِنْهَا شَيْءٌ فَنَظَرْنَا فِي تِلْكَ. فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا نا بِهِ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ نا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إلَى فُوقِهِ سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ وَالتَّسْبِيدُ} . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ سِيمَاهُمْ التَّحَالُقُ وَهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ} ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ. قَالُوا: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} . قَالُوا: فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ وَيَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، فَالْخَلْقُ وَالْبَرِيَّةُ سَوَاءٌ، قَالُوا: فَإِذْ هُمْ بِشَهَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، وَقَدْ مَرَقُوا مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا، فَهُمْ بِيَقِينٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّهُمْ {شَرُّ الْبَرِيَّةِ} لَا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ {خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} فَأَمْوَالُهُمْ مَغْنُومَةٌ مُخَمَّسَةٌ كَأَمْوَالِ الْكُفَّارِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَاحْتِجَاجٌ صَادِقٌ، إلَّا أَنَّهُ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا هُوَ جَمْعُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، فَمَنْ خَرَجَ بِتَاوِيلٍ هُوَ فِيهِ مُخْطِئٌ، لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَا قَصَدَ فِيهِ خِلَافَ الْقُرْآنِ وَحُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَهُوَ يَتَعَمَّدُ خِلَافَهُمَا، أَوْ يَعْنِدُ عَنْهُمَا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، أَوْ خَرَجَ طَالِبًا غَلَبَةً فِي دُنْيَا، وَلَمْ يَخَفْ طَرِيقًا، وَلَا سَفَكَ الدَّمَ جِزَافًا، وَلَا أَخَذَ الْمَالَ ظُلْمًا، فَهَذَا هُوَ الْبَاغِي الَّذِي يُصْلَحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ بَغَى عَلَيْهِ، عَلَى مَا فِي آيَةِ الْبُغَاةِ وَعَلَى مَا قَالَ عليه السلام مِنْ خُرُوجِ الْمَارِقَةِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِهِ، إحْدَاهُمَا بَاغِيَةٌ، وَهِيَ الَّتِي تَقْتُلُ عَمَّارًا، وَالْأُخْرَى أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَحَمِدَ عليه السلام مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا صَدَقَةُ نا ابْنُ عُيَيْنَةَ نا أَبُو مُوسَى عَنْ الْحَسَنِ سَمِعَ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ"