فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 396

صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ إلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَإِلَيْهِ مَرَّةً، وَيَقُولُ: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ زَادَ الْأَمْرُ حَتَّى يُخِيفُوا السَّبِيلَ، وَيَاخُذُوا مَالَ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَةً، بِلَا تَاوِيلٍ، أَوْ يَسْفِكُوا دَمًا كَذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ مُحَارِبُونَ لَهُمْ حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ، فَإِنْ زَادَ الْأَمْرُ حَتَّى يَخْرِقُوا الْإِجْمَاعَ فَهُمْ مُرْتَدُّونَ: تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا حِينَئِذٍ وَتُخَمَّسُ وَتُقَسَّمُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَا يَحِلُّ مَالُ الْمُحَارِبِ، وَلَا مَالُ الْبَاغِي وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ ظَلَمَا فَهُمَا مُسْلِمَانِ - وَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، إلَّا بِحَقٍّ، وَقَدْ يَحِلُّ دَمُهُ، وَلَا يَحِلُّ مَالُهُ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالْقَاتِلِ عَمْدًا - وَقَدْ يَحِلُّ مَالُهُ وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ، كَالْغَاصِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُتْبَعُ النَّصُّ، فَمَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ حَلَّ، وَمَا حَرَّمَا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ التَّحْرِيمُ حَتَّى يَاتِيَ إحْلَالٌ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {إنْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ} وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

وفي المبسوط:

وَلَوْ بَذَلُوا لَهُ الطَّعَامَ، أَوْ الشَّرَابَ بِثَمَنِ مِثْلِ مَا يُشْتَرَى بِهِ مِثْلُهُ، فَأَبَى أَنْ يَاخُذَهُ بِذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ كَانَ آثِمًا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَاتِلِ نَفْسِهِ حِينَ امْتَنَعَ مِنْ تَحْصِيلِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِبَقَائِهِ مَعَ قُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، وَلِأَنَّهُ مُلْقٍ نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ عِنْدَ عَرْضِهِمْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ، وَاجِدًا لِلثَّمَنِ.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكِرٍ، فَخَافَ إنْ، فَعَلَ أَنْ يُقْتَلَ وَسِعَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَإِنْ فَعَلَ، فَقُتِلَ كَانَ مَاجُورًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَرْضٌ مُطْلَقًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {، وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} الْآيَةَ، وَالتَّرْكُ عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ رُخْصَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ، فَإِنْ تَرَخَّصَ بِالرُّخْصَةِ كَانَ فِي سَعَةٍ، وَإِنْ تَمَسَّك بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَاجُورًا. وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى جَمْعٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ مِنْ غَيْرِ، فَائِدَةٍ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ قَوْمًا مِنْ، فَسَقَةِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُنْكِرٍ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ بِسَبَبِهِ، وَأَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ، فَإِنَّهُ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُونَ الْإِسْلَامَ فَزَجْرُهُ إيَّاهُمْ يُؤَثِّرُ فِيهِمْ اعْتِقَادًا لَا مَحَالَةَ، وَأُولَئِكَ غَيْرُ مُعْتَقِدِينَ، فَالشَّرْطُ أَنْ يَنْكِيَ فِعْلُهُ فِيهِمْ حِسًّا، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ.

وَلَا خِلَافَ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدَّمِ إذَا عَفَا أَنَّ لِلْآخَرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَالَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ وَاجِبًا لَهُ بِنَفْسِ الْقَتْلِ لَمَا وَجَبَ بِالْعَفْوِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ مُسْقِطٌ، وَلَوْ وَجَبَ بِالْعَفْوِ لَوَجَبَ عَلَى الْعَافِي، وَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا كَضَمَانِ الْإِعْتَاقِ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتِقِ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَلَمَّا وَجَبَ الْمَالُ لِلْآخَرِ عَلَى الْقَتْلِ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِ الْقَتْلِ، وَلَمَّا ظَهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَفْوِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْفُ فَكَذَلِكَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْعَافِي إذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ فَقُلْنَا: يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الدِّيَةِ بَعْدَمَا اسْتَحَقَّتْ نَفْسُهُ قِصَاصًا مُلْقٍ نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا شَرْعًا كَالْمُضْطَرِّ إذَا وَجَدَ طَعَامًا يَشْتَرِيهِ، وَمَعَهُ ثَمَنُهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ شَرْعًا لِهَذَا الْمَعْنَى فَكَذَا هَاهُنَا. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام {الْعَمْدُ قَوَدٌ} فَقَدْ أَدْخَلَ الْأَلِفَ، وَاللَّامَ فِي الْعَمْدِ، وَذَلِكَ لِلْمَعْهُودِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْجِنْسِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا مَعْهُودٌ فَكَانَ لِلْجِنْسِ، وَفِيهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ جِنْسَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ فَمَنْ جَعَلَ الْمَالَ وَاجِبًا بِالْعَمْدِ مَعَ الْقَوَدِ فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه فِي قَوْلِهِ الْعَمْدُ قَوَدٌ، وَلَا مَالَ لَهُ فِيهِ وَعَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت