فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 396

عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما قَالَا: فِي دَمٍ عَمْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ عَفَا أَحَدُهُمَا انْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ مَالًا فَتَخْصِيصُهُمَا غَيْرَ الْعَافِي بِوُجُوبِ الْمَالِ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَافِيَ لَا شَيْءَ لَهُ فَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ {فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ} فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ فَإِنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ {إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا فَادَوْا.} ، وَالْمُفَادَاةُ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ يَقْتَضِي وُجُودَ الْقَتْلِ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِالتَّرَاضِي، وَذَلِكَ أَخْذُ الدِّيَةِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ، وَتَاوِيلُ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ: وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ مِنْ جِهَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ رِضَا الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَدَاءِ الْمَالِ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَنْ سَفِهَتْ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ لِإِبْقَاءِ مَنْفَعَةِ الْمَالِ سَفَهٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَلِفَتْ نَفْسُهُ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام {خُذْ سَلَمَك أَوْ رَاسَ مَالِك} ، وَهُوَ فِي أَخْذِ رَاسِ الْمَالِ يَحْتَاجُ إلَى رِضَا الْمُسَلِّمِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ لَا يُجْبَرَ الْوَلِيُّ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ شَاءَ أَوْ أَبَى لَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ غَيْرَهُ عَلَى أَدَاءِ الدِّيَةِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ رُوِيَ {أَنَّ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْكَفِّ عَنْ الْقَتْلِ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ أَمَّا أَنْتُمْ يَا مَعَاشِرَ خُزَاعَةَ فَقَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاَللَّهِ عَاقِلَتُهُ فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ الْيَوْمِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ} فَقَدْ أَجْبَرَ الْوَلِيَّ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ انْتَسَخَ، وَأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ بَعْدَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَرَضَ الدِّيَةَ عَلَى الْوَلِيِّ، وَهَذَا لَا يَنْفِي كَوْنَ رِضَا الْقَاتِلِ مَشْرُوطًا فِيهِ، وَلَكِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ التَّبَرُّعَ بِأَدَاءِ الدِّيَةِ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَا الْقَاتِلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ رَغْبَةَ الْمَوْلَى فِي أَخْذِ الدِّيَةِ ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِاسْتِرْضَاءِ الْقَاتِلِ كَمَنْ سَعَى بِالصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَسْتَرْضِي أَحَدَهُمَا فَإِذَا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ اسْتَرْضَى الْآخَرَ. وَالْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَتْلَفَ شَيْئًا مَضْمُونًا فَيَتَقَدَّرُ ضَمَانُهُ بِالْمِثْلِ مَا أَمْكَنَ كَإِتْلَافِ الْمَالِ وَتَفْوِيتُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ يَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهَا الْمِثْلُ إذَا أَمْكَنَ. وَهَذَا لِأَنَّ ضَمَانَ الْمُتْلَفَاتِ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمِثْلِ ظُلْمٌ عَلَى الْمُتَعَدِّي، وَفِي النُّقْصَانِ يَحْسُنُ بِالْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا يَامُرُ بِالْعَدْلِ، وَذَلِكَ بِالْمِثْلِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الدِّيَةُ لَيْسَتْ بِمَالٍ لِلْمُتْلِفِ، وَالْقِصَاصُ مِثْلٌ أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الدِّيَةَ لَيْسَتْ بِمِثْلٍ؛ فَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ تُعْرَفُ صُورَةً أَوْ مَعْنًى، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْمَالِ، وَالْآدَمِيِّ صُورَةً، وَلَا مَعْنًى، وَالنَّفْسُ مَخْلُوقَةٌ لِأَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالِاشْتِغَالِ بِطَاعَتِهِ؛ لِيَكُونَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَالْمَالُ مَخْلُوقٌ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الْآدَمِيِّ بِهِ لِيَكُونَ مُبْتَذَلًا فِي حَوَائِجِهِ. فَأَمَّا الْقِصَاصُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ؛ فَلِأَنَّهُ قَتْلٌ بِإِزَاءِ قَتْلٍ وَإِزْهَاقُ حَيَاةٍ بِإِزْهَاقِ حَيَاةٍ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَالْمَقْصُودُ بِالْقَتْلِ لَيْسَ إلَّا الِانْتِقَامُ، وَالثَّانِي فِي مَعْنَى الِانْتِقَامِ كَالْأَوَّلِ، وَبِهَذَا سُمِّيَ قِصَاصًا ثُمَّ الْمِثْلُ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ، وَلَا يُجْعَلُ جُبْرَانُ الْحَيَاةِ بِالْمَالِ، وَإِنَّمَا جُبْرَانُ الْحَيَاةِ بِحَيَاةٍ مِثْلِهَا، وَذَلِكَ فِي الْقِصَاصِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى أَنَّ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةً فَعَلَيْنَا أَنْ نَعْقِدَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِصَاصِ عَقَلْنَاهُ أَوْ لَمْ نَعْقِلْهُ، ثُمَّ هُوَ مَعْقُولٌ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ حَيَاةٌ بِطَرِيقِ دَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ، وَلَكِنْ لِلْوَلِيِّ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَقْتُولِ كَمَا أَنَّ الْمَالَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَقْتُولِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى إثْبَاتِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِالْقِصَاصِ، وَهُوَ مَحْضُ حَقِّ الْعَبْدِ، وَلَا حَقَّ لِلْعَبْدِ إلَّا فِي الْمِثْلِ، فَأَمَّا أَجْزِيَةُ الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ فَتَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا حَاجَتُنَا إلَى أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِلنَّفْسِ وَقَدْ أَثْبَتنَا ذَلِكَ فَقُلْنَا: لَا يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ النَّفْسِ الْمُتْلَفَةِ قَتْلًا إلَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت