عَلَى نَفْسِهِ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ خَوْفُ الْهَلَاكِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْمُسْلِمُ فِي هَذَا مَامُورٌ بِأَنْ يَبْدَأَ بِدَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ. .
217 -بَابٌ: خُرُوجُ الْعَبْدِ بِأَمَانٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَخُرُوجُهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا قَالَ رضي الله تعالى عنه: 4559 - أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مُرَاغَمًا لِمَوْلَاهُ فَهُوَ حُرٌّ وَيُوَالِي مَنْ شَاءَ. لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرِزًا نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلَوْ أَحْرَزَ مَالًا مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكَهُ فَإِذَا أَحْرَزَ نَفْسَهُ كَانَ مَالِكًا لِنَفْسِهِ أَيْضًا، وَلَا يَبْقَى لِلْإِنْسَانِ الْمِلْكُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُعْتَقُ لِهَذَا. وَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَلَى الْمُعْتَقِ لِمَنْ يَكُونُ عِتْقُهُ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ هَا هُنَا لِأَحَدٍ. ثُمَّ يَكُونُ حَالُهُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجِنَايَةِ كَحَالِ حَرْبِيٍّ جَاءَ مُسْلِمًا. 4560 - وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: {كَانَ الْعَبْدُ إذَا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَلَيْسَ مَعَهُ سَيِّدُهُ عَتَقَ} وَبِحَدِيثِ طَاوُسٍ قَالَ: {كَانَ فِي كِتَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله تعالى عنه، أَيُّمَا عَبْدٍ نَزَعَ إلَى الْمُسْلِمِينَ، أَرَاهُ قَالَ: مُسْلِمًا، فَهُوَ حُرٌّ. وَأَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّ عُشْرَهُ وَصَدَقَتَهُ فِي عَشِيرَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَى غَيْرِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ} . فَالْمِخْلَافُ مُحَلَّةٌ مِنْ رُسْتَاقَ يَشْتَمِلُ عَلَى عَدَدٍ مِنْ الْقُرَى وَغَيْرِهِ وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ رضي الله تعالى عنه {أَنَّ عَبْدًا أَسْلَمَ فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم خَشِيَ أَهْلُهُ أَنْ يَتَّبِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ، فَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَقَالَ: إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ إسْلَامِي فَاشْتَرِنِي أَوْ خَلِّصْنِي، فَبَعَثَ إلَيْهِ سَبْعَةَ نَفَرٍ عَلَى بَعِيرٍ، وَقَالَ: خُذُوهُ، وَلَعَلَّكُمْ تَجِدُونَ فِي الدَّارِ مَنْ يُعِينُكُمْ عَلَيْهِ} . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَاسَ لِقَوْمٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ لِمِثْلِ هَذَا الْمَقْصُودِ، وَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْهُمْ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّيَقُّنِ بِالْهَلَاكِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْكِي فِعْلُهُمْ فِي الْعَدُوِّ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِعْلُهُمْ يَنْكِي فِي الْعَدُوِّ فَلَا بَاسَ بِمِثْلِ هَذَا الصُّنْعِ. 4561 - {وَذُكِرَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ عَبْدٌ أَسْوَدُ فِي غَنَمٍ لِسَيِّدِهِ فَلَمَّا رَأَى أَهْلَ خَيْبَرَ يَتَحَصَّنُونَ سَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: نُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَوَقَعَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي نَفْسِهِ، وَأَقْبَلَ بِغَنَمِهِ حَتَّى جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: مَا تَقُولُ وَمَا تَدْعُو إلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: أَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ أَنْ تَشْهَدَ أَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَأَلَّا تَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ، قَالَ: فَمَاذَا لِي إنْ شَهِدْت بِهَذَا فَقَالَ: لَك الْجَنَّةُ إنْ مِتَّ عَلَى ذَلِكَ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ مَكَانَهُ} . الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ. وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَ الْعَبْدُ بَعْدَ أَنْ يَاتِيَ الْمُعَسْكَرَ وَبَيْنَ أَنْ يَاتِيَ الْمُعَسْكَرَ مُسْلِمًا، فِي أَنَّهُ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ {الْعَبِيدِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ، فَأَسْلَمُوا، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ: أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ} . 4562 - وَأَوْرَدَ حَدِيثَ عِكْرِمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَقُولُ: {إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ قَبْلَ مَالِهِ ثُمَّ تَبِعَهُ مَالُهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِذَا خَرَجَ مَالُهُ قَبْلَهُ فَهُوَ حُرٌّ} . وَبِهَذَا نَاخُذُ. فَالْمُرَادُ بِالْمَالِ الْعَبْدُ هَا هُنَا، فَإِذَا خَرَجَ الْعَبْدُ أَوَّلًا مُرَاغَمًا لِمَوْلَاهُ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ خَرَجَ مَوْلَاهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ خَرَجَ الْمَوْلَى أَوَّلًا ثُمَّ جَاءَ الْعَبْدُ، فَإِنَّمَا جَاءَ مُظْهِرًا لَمُوَافَقَةِ سَيِّدِهِ، مُحْرِزًا لِنَفْسِهِ لَا عَلَيْهِ فَكَانَ مَمْلُوكًا لَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَفْسِيرِ التَّهْلُكَةِ: فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: لَا تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ. الثَّانِي: لَا تَخْرُجُوا بِغَيْرِ زَادٍ، يَشْهَدُ لَهُ قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} . الثَّالِثُ: لَا تَتْرُكُوا الْجِهَادَ. الرَّابِعُ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى الْعَسَاكِرِ الَّتِي لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهَا. الْخَامِسُ: لَا تَيْأَسُوا مِنْ