رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَيْسَ بِإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِالرُّخْصَةِ مَعَهُ، هُوَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ:"أَخَذُوك فَغَطُّوك فِي الْمَاءِ". فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا فِيمَا كَانَ مِثْلَهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ الْوَعِيدَ بِمُفْرَدِهِ إكْرَاهٌ. قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: حَدُّ الْإِكْرَاهِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ، أَوْ ضَرْبًا شَدِيدًا. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْوَعِيدِ، فَإِنَّ الْمَاضِيَ مِنْ الْعُقُوبَةِ لَا يَنْدَفِعُ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْشَى مِنْ وُقُوعِهِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ فِعْلُ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ دَفْعًا لِمَا يَتَوَعَّدُهُ بِهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ فِيمَا بَعْدُ، وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّهُ مَتَى تَوَعَّدَهُ بِالْقَتْلِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِعْلُ، أَفْضَى إلَى قَتْلِهِ، وَإِلْقَائِهِ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا يُفِيدُ ثُبُوتُ الرُّخْصَةِ بِالْإِكْرَاهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَقَعَ طَلَاقُهُ، فَيَصِلُ الْمُكْرِهُ إلَى مُرَادِهِ، وَيَقَعُ الضَّرَرُ بِالْمُكْرَهِ، وَثُبُوتُ الْإِكْرَاهِ فِي حَقِّ مَنْ نِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ لَا يَنْفِي ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه فِي الَّذِي تَدَلَّى يَشْتَارُ عَسَلًا، فَوَقَفْت امْرَأَتُهُ عَلَى الْحَبْلِ، وَقَالَتْ: طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَإِلَّا قَطَعْته، فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَقَالَتْ: لَتَفْعَلْنَ أَوْ لَأَفْعَلْنَ. فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَرَدَّهُ إلَيْهَا. رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ. وَهَذَا كَانَ وَعِيدًا.
(7820) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ، وَأَصَابَتْ الضَّرُورَةُ خَلْقًا كَثِيرًا، أَوْ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الضَّرُورَةِ بِهِ، وَلَا يَدْفَعُهَا عَنْهُمْ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُ مَا مَعَهُ لِلْمُضْطَرِّينَ. وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ هَذِهِ الْحَالِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ لَا يَتَضَرَّرُ بِدَفْعِ مَا مَعَهُ إلَيْهِمْ، فِي أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فِي الْحَالِ، وَالْآخَرُ مُضْطَرٌّ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ حَاجَةِ الْمُضْطَرِّ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا مُفْضٍ بِهِ إلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ، وَهَلَاكِ عِيَالِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءُ الْغَرِيقِ بِتَغْرِيقِ نَفْسِهِ. وَلِأَنَّ فِي بَذْلِهِ إلْقَاءً بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ) أَمَّا إجْزَاءُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَوْ صَلَّى الْإِنْسَانُ أَلْفَ رَكْعَةٍ مَا أَجْزَأَتْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَدَفَعَ أَلْفَ دِينَارٍ صَدَقَةً لَا تُجْزِئُ عَنْ دِينَارِ الزَّكَاةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ فِي سَبْعِ مَسَائِلَ: الْأُولَى: إذَا تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. الثَّانِيَةُ: إذَا اغْتَسَلَ لِجُمُعَتِهِ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَقِيلَ تُجْزِئُ. الثَّالِثَةُ: إذَا نَسِيَ لُمْعَةً مِنْ الْغَسْلَةِ الْأُولَى فِي وُضُوئِهِ وَكَانَ غَسْلُهَا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ هَلْ تُجْزِئُهُ إذَا غَسَلَ الثَّانِيَةَ بِنِيَّةِ السُّنَّةِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ كَالتَّجْدِيدِ. الرَّابِعَةُ: إذَا سَلَّمَ مِنْ اثْنَيْنِ سَاهِيًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ هَلْ تُجْزِئَاهُ عَنْ رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. الْخَامِسَةُ: إذَا ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ فَرْضِهِ فَصَلَّى بَقِيَّةَ فَرْضِهِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ السَّادِسَةُ: إذَا سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَاهِيًا هَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي نَسِيَ مِنْهَا السَّجْدَةَ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. السَّابِعَةُ: إذَا نَسِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَرَاحَ إلَى بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي رَأَيْته وَقَعَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا قَاعِدَةُ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ فَلَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ وَالْمُسَافِرَ وَنَحْوَهُمْ لَمَّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ فَإِذَا حَضَرُوهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ