وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ إمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْجُمُعَةُ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا كَالْوَاجِبِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إحْدَى الْخِصَالِ، فَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِالْجُمُعَةِ فَقَدْ أَحْرَمَ بِإِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَعَيَّنَ ذَلِكَ الْمُشْتَرَكَ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ كَمَا يُعَيِّنُ الْمُكَفِّرُ إحْدَى الْخِصَالِ بِالْعِتْقِ فَهُوَ مُعَيِّنٌ لِلْوَاجِبِ لَا فَاعِلٌ لِغَيْرِ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَجْزَأَهُ عَنْ الْوَاجِبِ بَلْ غَيْرِ الْوَاجِبِ هَا هُنَا هُوَ خُصُوصُ الْجُمُعَةِ لَا مُطْلَقُ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَالْجُمُعَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَمْرَيْنِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهَا جُمُعَةً وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ كَوْنُهَا إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَأَجْزَأَتْ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهَا الْوَاجِبِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهَا الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا أَنَّ الْمُكَفِّرَ عَنْ الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ فِي عِتْقِهِ أَمْرَانِ: خُصُوصٌ وَهُوَ كَوْنُهُ عِتْقًا، وَعُمُومٌ وَهُوَ كَوْنُهُ إحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فَيُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهِ الْوَاجِبِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهَذَا لَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فِي الِامْتِنَاعِ وَيَتَمَهَّدُ الْفَرْقُ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ أُخَرَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالُوا: الْعَبْدُ لَا يَؤُمُّ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْمُفْتَرِضَ لَا يَاتَمُّ بِالْمُتَنَفِّلِ، فَقِيلَ: إذَا حَضَرَهَا صَارَ مِنْ أَهْلِهَا وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ فَصَارَ مُفْتَرِضًا فَمَا ائْتَمَّ الْحُرُّ إلَّا بِمُفْتَرِضٍ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا تَجِبُ بِالشُّرُوعِ فَيَكُونُ الشُّرُوعُ غَيْرَ وَاجِبٍ فَيَقَعُ الِائْتِمَامُ بِهِ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ قِيلَ فَإِنْ كَانَ الشُّرُوعُ غَيْرَ وَاجِبٍ فَقَدْ أَجْزَأَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ فَخُصُوصُ الْجُمُعَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَغَيْرُ الْوَاجِبِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ فَكَيْفَ أَجْزَاته تَكْبِيرَةُ إحْرَامِهِ فَقِيلَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَيْضًا فِيهَا خُصُوصٌ وَهُوَ كَوْنُهَا بِالْجُمُعَةِ وَعُمُومٌ وَهُوَ كَوْنُهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَمَّا بِالْجُمُعَةِ وَأَمَّا بِالظُّهْرِ فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ فَقَدْ عَيَّنَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامٍ خَاصٍّ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ إذَا أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ الرُّبَاعِيَّةِ أَيْضًا خُصُوصُ إحْرَامِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ يُعَيِّنُ الْوَاجِبَ وَإِذَا عَقِلْتَ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَاعْقِلْهُ فِي بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَفِي الرُّكُوعِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ مُطْلَقُ الرُّكُوعِ، وَفِي السُّجُودِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي جُمُعَةٍ أَوْ فِي ظُهْرٍ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ مُطْلَقٌ السُّجُودِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَرْكَانِ فَيَكُونُ الْحُرُّ إذَا اقْتَدَى بِهِ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ وَهِيَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ وَعَلَى الْعَبْدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ تَكُونُ مِنْ بَابِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْبَحْثِ أَنْ لَا يَقْتَدِيَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ فِي ظُهْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إذَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا أَيْضًا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفْتَرِضٍ بِالْخُصُوصِيَّاتِ بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ظُهْرِ غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ مُفْتَرِضٌ بِالْخُصُوصِيَّاتِ وَالْعُمُومِ فَاسْتَوَى الْحُرُّ مَعَهُ فِي ذَلِكَ فَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ مَعَ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ أَنِّي رَأَيْت هَذَا الْفَرْعَ مَنْقُولًا غَيْرَ أَنَّهُ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَيَلْحَقُ بِالْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ الْمُسَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَنَحْوُهُمَا حَرْفًا بِحَرْفٍ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْدِيدِ الْمَسَائِلِ بِذِكْرِهِمْ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ فَإِذَا اخْتَارَ صَوْمَ رَمَضَانَ فَهُوَ فَاعِلٌ لِخُصُوصٍ غَيْرِ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ رَمَضَانَ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ فَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ شَهْرَ الْقَضَاءِ فَخُصُوصُهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ خُصُوصُ الْقَضَاءِ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ آخِرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتَعَذُّرِ مَا قَبْلَهُ وَتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُفَرِّطِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي حَقَّةِ الْأَدَاءُ وَبَيْنَ الْقَضَاءِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُفَرِّطِ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَعَلَى الْمُسَافِرِ بِسَبَبَيْنِ أَحَدُهُمَا رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَإِنَّهَا أَوْجَبَتْ الْعُمُومَ الَّذِي فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ، وَثَانِيهِمَا خُرُوجُ شَهْرِ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَصُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ خُصُوصَ الْقَضَاءِ فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ)