الْمَرِيضُ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَخْشَى مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَهَذَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْخِطَابَ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَيَبْقَى مُخَاطَبًا بِأَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ وَيَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ فِي حَقِّهِ بِالسَّبَبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَإِنْ كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِهِ فَهَذَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ الصَّوْمَ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْأَدَاءُ لِلتَّحْرِيمِ وَالْقَضَاءِ لِلْوُجُوبِ إنْ بَقِيَ مُسْتَجْمِعَ الشَّرَائِطِ سَالِمَ الْمَوَانِعِ فِي زَمَانِ الْقَضَاءِ، فَإِنْ أَقْدَمَ وَصَامَ وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ بَعْدَ عُمُومِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ وَيَحْتَمِلُ الْإِجْزَاءَ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ شَهْوَتَيْ فَمِهِ وَفَرْجِهِ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ وَجَانٍ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَهُوَ تَخْرِيجٌ حَسَنٌ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الصَّبِيُّ إذَا صَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْقَامَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مَا قَارَنَهُ مِنْ إجْزَاءِ الْقَامَةِ فِي زَمَنِ بُلُوغِهِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ مَا أَوْقَعَهُ أَوَّلًا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ الَّذِي تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ مَثَلًا إنَّمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا لِوُجُوبِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ فَعَلَهَا فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ صَلَاةً أُخْرَى لَكَانَ الزَّوَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَلَاتَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَامَةَ كُلَّهَا أَسْبَابٌ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهَا ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ وَسَبَبٌ لِلْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي هَذَا الْفَرْقِ فَالْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقَامَةِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ سَبَبٌ لِلْفِعْلِ وَالْجُزْءُ الَّذِي قَارَنَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى وَنَحْنُ نَمْنَعُ أَنَّ الزَّوَالَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ فِي كُلِّ صُورَةٍ فَيَكُونَ ذَلِكَ مُصَادَرَةً عَلَى صُورَةِ النِّزَاعِ وَإِنْ ادَّعَاهُ فِيمَا عَدَا صُورَةَ النِّزَاعِ فَلَا يُمْكِنُهُ إلْحَاقُ صُورَةِ النِّزَاعِ بِصُورَةِ الْإِجْمَاعِ إلَّا بِالْقِيَاسِ فَإِذَا قَاسَ فَرَّقْنَا بِأَنَّ صُورَةَ النِّزَاعِ وُجِدَ فِيهَا حَالَتَانِ تَقْتَضِيَانِ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَهُمَا الصِّبَا وَالْبُلُوغُ بِخِلَافِ صُورَةِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ فِيهَا إلَّا حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ وَاحِدَةً لِاتِّحَادِ الشَّرْطِ أَمَّا مَعَ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ وَاخْتِلَافِهِ جَازَ اخْتِلَافُ الْمَشْرُوطِ وَالصِّبَا شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ النَّدْبِ وَالْبُلُوغُ شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ الْوُجُوبِ.
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى خُصُوصٌ مُعَيَّنٌ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ لَا مَوْكُولٌ تَعَيُّنُهُ إلَى خِيرَةِ الْمَامُورِ وَالْوَاجِبُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ خُصُوصٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ وَإِنَّمَا تَعَيُّنُهُ مَوْكُولٌ إلَى خِيرَةِ الْمَامُورِ، وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى لَمَّا تَعَيَّنَ فِيهَا الْوَاجِبُ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إجْزَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَإِنَّمَا جَرَى إجْزَاءُ غَيْرِ الْوَاجِبِ عَنْهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فِي الْمَذْهَبِ أَشَارَ لَهَا الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّوَاوِيُّ كَمَا فِي كَبِيرِ مَيَّارَةَ عَلَى نَظْمِ ابْنِ عَاشِرٍ بِقَوْلِهِ: مَسَائِلُ يَجْرِي نَقْلُهَا عَنْ فَرِيضَةٍ شُذُوذًا فَلَا تَتْبَعْ سِوَى قَوْلِ شُهْرَةِ مُجَدِّدٌ طَهُرَ سَاهِيًا وَهُوَ مُحْدِثٌ وَلُمْعَةُ عُضْوٍ طَهُرَتْ بِفَضِيلَةِ وَآتٍ بِغُسْلٍ سَاهِيًا عَنْ جَنَابَةٍ نَوَى جُمُعَةً وَاحْكُمْ لِتَارِكِ سَجْدَةِ مِنْ الْفَرْضِ يَاتِي بِالسُّجُودِ لِسَهْوِهِ وَمُبْطِلُهَا يَاتِي بِخَامِسِ رَكْعَةِ وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ ظَنَّ فِيهَا سَلَامَهُ وَآتٍ بِنَفْلٍ قَبْلَ خَتْمِ فَرِيضَةِ وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ أَوْ يَظُنُّ سَلَامَهُ لِثَالِثَةٍ قَدْ قَامَ فَافْهَمْ بِصُورَةِ وَيُجْزِئُ فِي الْمَشْهُورِ مَنْ طَافَ عِنْدَهُمْ طَوَافَ وَدَاعٍ ذَاهِلًا عَنْ إفَاضَةِ وَذُو مُتْعَةٍ قَدْ سَاقَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ فَيُجْزِئُ قَدْ قَالُوا لِوَاجِبِ مُتْعَةِ وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا رَمَى جِمَارًا لِسَهْوٍ لَا يُعِيدُ لِجَمْرَةِ وَبَيَانُهَا أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ