فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 396

أَيْ خَصَّهُ بِهِ الْآمِرُ وَلَمْ يَكِلْ تَعَيُّنَهُ إلَى خِيرَةِ الْمَامُورِ فَلِذَا كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إجْزَاءِ غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ جِنْسِهِ عَنْهُ وَالْقَوْلُ بِإِجْزَائِهِ عَنْهُ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً كَمَا عَلِمْت وَالْوُجُوبُ فِي الْمُخَيَّرِ مُتَعَلِّقٌ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْعَامُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُشْتَرَكُ أَيْ لَمْ يُعَيِّنْهُ الْآمِرُ بَلْ وَكَّلَ تَعَيُّنَهُ إلَى خِيرَةِ الْمَامُورِ فَمَا اخْتَارَهُ الْمَامُورُ مِنْ الْوَاحِدِ الْمُبْهَمِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَأَوْضَحَ لَك قَاعِدَةَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ أُخَرَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُكَفِّرِ إحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مِنْ الْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ بِلَا تَعْيِينٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ بَلْ التَّعْيِينُ مَوْكُولٌ لِخِيرَةِ الْمُكَفِّرِ فَإِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهَا كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصْلِ لَا غَيْرُهُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. (وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ الْمُسَافِرَ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ بِدُونِ تَعْيِينٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ بَلْ التَّعْيِينُ وَكَّلَهُ لِخِيرَةِ الْمُسَافِرِ فَإِذَا اخْتَارَ صَوْمَ رَمَضَانَ أَوْ شَهْرَ الْقَضَاءِ وَصَامَهُ كَانَ قَدْ صَامَ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصْلِ لَا غَيْرُهُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَتَعَيَّنَ خُصُوصُ شَهْرِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَخْتَرْ صِيَامَ رَمَضَانَ إنَّمَا كَانَ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ آخِرُ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتَعَذُّرِ مَا قَبْلَهُ وَتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ فَقَضَاءُ رَمَضَانَ عَلَى الْمُفَرِّطِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ الْأَدَاءُ يُفَارِقُ الْقَضَاءَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَالثَّانِي لَا يَتَعَلَّقُ بِعُمُومِهِ وُجُوبٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ خُصُوصُ شَهْرِ الْقَضَاءِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَدَاءِ بِسَبَبَيْنِ أَحَدُهُمَا رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَثَانِيهِمَا خُرُوجُ شَهْرِ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَصُمْ فِيهِ فَافْهَمْ. (وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَا يُخْشَى مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْخِطَابُ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَيَبْقَى مُخَاطَبًا بِأَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ وَيَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ فِي حَقِّهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَدَاءِ بِالسَّبَبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسَافِرِ فَإِنْ كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِهِ تَعَيَّنَ الْأَدَاءُ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ لِلْوُجُوبِ إنْ كَانَ مُسْتَجْمِعَ الشَّرَائِطِ سَالِمَ الْمَوَانِعِ زَمَنَهُ فَإِنْ أَقْدَمَ وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَصَامَ الْأَدَاءَ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ احْتَمَلَ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى عَدَمَ الْإِجْزَاءِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْمُحَرَّمِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ وَالْإِجْزَاءُ نَظَرًا لِكَوْنِهِ مُتَقَرِّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ شَهْوَتَيْ فَمِهِ وَفَرْجِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ بَعْدَ عُمُومِهِ كَمَا تَقَدَّمَ جَانِيًا عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ حِفْظِهَا عَنْ الْإِلْقَاءِ فِي التَّهْلُكَةِ كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ وَجَانٍ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

وفي كشف الأسرار:

وَأَمَّا الرُّخَصُ فَأَرْبَعَةٌ نَوْعَانِ مِنْ الْحَقِيقَةِ أَحَدُهُمَا أَحَقُّ مِنْ الْآخَرِ وَنَوْعَانِ مِنْ الْمَجَازِ أَحَدُهُمَا أَتَمُّ مِنْ الْآخَرِ أَمَّا أَحَقُّ نَوْعَيْ الْحَقِيقَةِ فَمَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَقِيَامُ حُكْمِهِ جَمِيعًا فَهُوَ الْكَامِلُ فِي الرُّخْصَةِ مِثْلُ الْمُكْرَهِ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ إجْرَاؤُهَا وَالْعَزِيمَةُ فِي الصَّبْرِ حَتَّى يُقْتَلَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ قَائِمَةٌ لِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِيمَانِ لَكِنَّهُ رُخِّصَ لِعُذْرٍ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ يَفُوتُ بِالْقَتْلِ صُورَةً وَمَعْنًى وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَفُوتُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بَاقٍ وَلَا يَفُوتُ صُورَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ صَحَّ، وَلَيْسَ التَّكْرَارُ رُكْنًا لَكِنْ فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ هَتْكٌ لِحَقِّهِ ظَاهِرًا فَكَانَ لَهُ تَقْدِيمُ حَقِّ نَفْسِهِ كَرَامَةً مِنْ اللَّهِ، وَإِنْ شَاءَ بَذَلَ نَفْسَهُ حِسْبَةً فِي دِينِهِ لِإِقَامَةِ حَقِّهِ فَهَذَا مَشْرُوعٌ قُرْبَةً فَبَقِيَ عَزِيمَةً وَصَارَ بِهَا مُجَاهِدًا وَكَذَلِكَ الَّذِي يَامُرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت