الثَّالِثَةُ: أَشَارَ لَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ الزَّوَاوِيُّ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا رَمَى جِمَارَ السَّهْوِ لَا يُعِيدُ لِجَمْرَةِ أَيْ إذَا نَسِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ رَمَاهَا سَاهِيًا كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَيْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ كَمَا فِي كَبِيرِ مَيَّارَةَ عَلَى ابْنِ عَاشِرٍ قُلْت وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ شَيْخِنَا فِي حَاشِيَتِهِ كَمَا أَجْزَأَ أَيْ هَدْيُ التَّطَوُّعِ عَنْ قِرَانِهِ زِيَادَةُ مَسْأَلَةٍ رَابِعَةٍ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَنَظَمْتهَا فِي بَيْتٍ يَلْحَقُ بِنَظْمِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِي: وَزِدْ قَارِنًا يُجْزِئُهُ هَدْيُ تَطَوُّعٍ بِوَاجِبِ هَدْيٍ لِلْقِرَانِ كَمُتْعَةِ وَمِنْ هُنَا اُشْتُهِرَ أَنَّ تَطَوُّعَاتِ الْحَجِّ تُجْزِئُ عَنْ وَاجِبِ جِنْسِهَا فَتَكُونَ جُمْلَةُ النَّظَائِرِ اثْنَيْ عَشْرَ مَسْأَلَةً أَرْبَعَةٌ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ شُذُوذًا عَلَى احْتِمَالٍ وَأَرْبَعَةٌ مِنْ ذَلِكَ شُذُوذًا بِدُونِ احْتِمَالٍ وَأَرْبَعَةٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَمَا عَدَا هَذِهِ النَّظَائِرَ فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ اتِّفَاقًا فَلَوْ صَلَّى الْإِنْسَانُ أَلْفَ رَكْعَةٍ مَا أَجْزَأَتْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ دَفَعَ أَلْفَ دِينَارٍ صَدَقَةً مَا أَجْزَأَتْ عَنْ دِينَارِ الزَّكَاةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَمِنْ هُنَا قَالَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى إذَا صَلَّى الصَّبِيُّ بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْقَامَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مَا قَارَنَهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ فِي زَمَنِ بُلُوغِهِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ مَا أَوْقَعَهُ أَوَّلًا لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ الَّذِي تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ وَسَبَبٌ لِلْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالْجُزْءُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَارَنَهُ شَرْطُ النَّدْبِ الَّذِي هُوَ الصِّبَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ سَبَبُ الْفِعْلِ نَدْبًا لَا وُجُوبًا وَالْجُزْءُ الَّذِي قَارَنَهُ بَعْدَ شَرْطِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الْبُلُوغُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ مَثَلًا إنَّمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا لِوُجُوبِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ فَعَلَهَا فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ صَلَاةً أُخْرَى لَكَانَ الزَّوَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَلَاتَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الزَّوَالَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاتَيْنِ فِي كُلِّ صُورَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُصَادَرَةً عَلَى صُورَةِ النِّزَاعِ وَإِمَّا أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ فِيمَا عَدَا صُورَةَ النِّزَاعِ فَلَا يُمْكِنُهُ إلْحَاقُ صُورَةِ النِّزَاعِ بِصُورَةِ الْإِجْمَاعِ إلَّا بِالْقِيَاسِ. فَإِذَا قَاسَ فَرَّقْنَا بِأَنَّ صُورَةَ النِّزَاعِ وُجِدَ فِيهَا حَالَتَانِ تَقْتَضِيَانِ النَّدْبَ وَالْوُجُوبَ وَهُمَا الصِّبَا وَالْبُلُوغُ وَلَيْسَ فِي صُورَةِ الْإِجْمَاعِ إلَّا حَالَةٌ وَاحِدَةٌ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ هِيَ الْبُلُوغُ فَاتَّحَدَتْ الصَّلَاةُ فِي صُورَةِ الْإِجْمَاعِ لِاتِّحَادِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْبُلُوغُ وَتَعَدَّدَتْ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ لِتَعَدُّدِ الشَّرْطِ وَاخْتِلَافِهِ فَلِذَا جَازَ فِيهَا اخْتِلَافُ الْمَشْرُوطِ الَّذِي هُوَ الصَّلَاتَانِ بِاخْتِلَافِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الصِّبَا الشَّرْطُ فِي تَوَجُّهِ النَّدْبِ وَالْبُلُوغِ الشَّرْطُ فِي تَوَجُّهِ الْوُجُوبِ وَأَمَّا الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا خُصُوصَ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ لَمْ يَكُنْ إجْزَاءُ الْجُمُعَةِ عَنْ الظُّهْرِ مَثَلًا لِنَحْوِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ إذَا حَضَرُوهَا مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ بَلْ هُوَ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ إتْيَانِ الْمَامُورِ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ لَا بِغَيْرِهِ إذْ الْوُجُوبُ هُنَا مُتَعَلِّقٌ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ إمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْجُمُعَةُ فَإِذَا أَحْرَمَ كُلٌّ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ بِالْجُمُعَةِ فَقَدْ أَحْرَمَ بِإِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَعُيِّنَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ الَّذِي عَلَّقَ الْآمِرُ بِهِ الْوُجُوبَ وَوَكَّلَ تَعَيُّنَهُ إلَى خِيرَةِ الْمَامُورِ، فَإِذَا اخْتَارَ إيقَاعَ الْجُمُعَةِ لَا تَقَعُ إلَّا وَاجِبَةً فَالْحُرُّ إذَا اقْتَدَى بِهِ لَمْ يَكُنْ مُفْتَرِضٌ ائْتَمَّ بِمُتَنَفِّلٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الْجُمُعَةِ كَمَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الظُّهْرِ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ. وَإِنْ قَالَ الْأَصْلُ مَعَ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ أَنِّي رَأَيْت فَرْعَ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ فِي ظُهْرِ غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي ظُهْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ كَاقْتِدَائِهِ بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ قَوْلُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ لَا يَؤُمُّ الْعَبْدُ فِي الْجُمُعَةِ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْمُفْتَرِضَ لَا يَاتَمُّ بِالْمُتَنَفِّلِ فَافْهَمْ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْوَاجِبُ نَوْعَانِ مُخَيَّرٌ وَوَاجِبٌ غَيْرُ مُخَيَّرٍ وَالْوُجُوبُ فِي غَيْرِ الْمُخَيَّرِ مُتَعَلِّقٌ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْعَامُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُشْتَرَكُ