التَّنْبِيهِ الْآتِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ رَأَيْت الرَّوْضَ إنَّمَا ذَكَرَ الْيَدَ فِي النَّهْيِ، وَشَرْحُهُ مُشْعِرٌ بِكِفَايَةِ اللِّسَانِ فِيهِ إذَا حَصَلَ بِهِ زَوَالُ الْمُنْكَرِ، وَإِنَّمَا الْمُؤَخَّرُ عَنْ الْيَدِ مُجَرَّدُ الْوَعْظِ فَلْيُتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامٍ نَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ مَا صُورَتُهُ: فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدَّ مِنْهُ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ قَتْلِ غَيْرِهِ بِسَبَبِهِ كَفَّ يَدَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّبَ قَوْلُهُ مِثْلَ ذَلِكَ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ وَكَانَ فِي سَعَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ا هـ. وَالْكَلَامُ قَدْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ الْمُنْكَرُ بِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُقَالُ: إنْ أَفَادَ ذَلِكَ زَوَالَ الْمُنْكَرِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى الْيَدِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي عَدَمُ وُجُوبِهِ مُطْلَقًا، لَكِنْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خِلَافَهُ. (قَوْلُهُ: بِالْيَدِ فَاللِّسَانِ إلَخْ) قَدْ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أَمْكَنَ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِكُلٍّ مِنْ الْيَدِ وَاللِّسَانِ بِلَا مَفْسَدَةٍ فِي أَحَدِهِمَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَحِقَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ مَفْسَدَةٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَحِقَ كُلًّا مَفْسَدَةٌ أَعْلَى، بَلْ أَوْ مُسَاوِيَةٌ أَوْ لَمْ يُفِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلْبِ. (قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَمَا يَتَسَاهَلُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا إذَا رَأَى إنْسَانًا يَبِيعُ مَتَاعًا مَعِيبًا أَوْ نَحْوَهُ فَإِنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَلَا يُعَرِّفُونَ الْمُشْتَرِيَ بِعَيْبِهِ وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْبَائِعِ وَأَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ا هـ. قَوْلُهُ: وَمُقَلِّدُ مَنْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ) عَلَامَ الْعَطْفُ. (قَوْلُهُ: أَيْضًا وَمُقَلَّدُ مَنْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي) أَيْ: فَإِذَا ارْتَكَبَ مَا يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ بِتَقْلِيدٍ مُمْتَنِعٍ فَيُنْكِرُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ مُحَرَّمًا عِنْدَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْقَاضِي بِاعْتِقَادِهِ فَقَطْ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ غَيْرُ مُرَادٍ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ رُفِعَ لِقَاضٍ شَافِعِيٍّ مُخَالِفٌ صَلَّى مَعَ عَدَمِ تَسْبِيعِ مَا أَصَابَهُ مِنْ نَحْوِ كَلْبٍ أَوْ مَعَ الطُّهْرِ بِمُسْتَعْمَلٍ، أَوْ فَعَلَ مَا يَجُوزُ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِتَعْزِيرٍ وَلَا نَحْوِهِ كَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُحَرَّرْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي بَابِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَفْظُهُ: وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا ا هـ. وَهُوَ بِظَاهِرِهِ شَامِلٌ لِمَا نَحْنُ فِيهِ. (قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَوْ اُحْتِيجَ إنْكَارُ ذَلِكَ لِقِتَالٍ لَمْ يَفْعَلْهُ إلَخْ) فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَيَسُوغُ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَصُدَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ إلَى نَصْبِ قِتَالٍ وَشَهْرِ سِلَاحٍ، فَإِنْ انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى ذَلِكَ رَبَطَ الْأَمْرَ بِالسُّلْطَانِ. ا هـ. وَذَكَرَ قَبْلَهُ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ مِثْلَهُ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْبَحْثُ وَالتَّجَسُّسُ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَيْسَ لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ الْبَحْثُ وَالتَّنْقِيرُ وَالتَّجَسُّسُ وَاقْتِحَامُ الدُّورِ بِالظُّنُونِ، بَلْ إنْ عَثَرَ عَلَى مُنْكَرٍ غَيَّرَهُ جَهْدَهُ، هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ: أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِهَا لِإِمَارَةٍ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا مِثْلُ: أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا؛ فَيَجُوزَ لَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَنْ يَتَجَسَّسَ وَيَقْدُمَ عَلَى الْبَحْثِ وَالْكَشْفِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ، وَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُ الْمُحْتَسِبِ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ جَازَ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْإِنْكَارِ، الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا قَصُرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عَنْهُ، فَإِنْ سَمِعَ أَصْوَاتَ الْمَلَاهِي الْمُنْكَرَةِ مِنْ دَارٍ أَنْكَرَهَا خَارِجَ الدَّارِ وَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ؛ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ لَيْسَ ظَاهِرًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ الْبَاطِنِ ا هـ. (قَوْلُهُ: وَلَهُ احْتِمَالٌ بِوُجُوبِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ الْهَتْكِ وَتَغْرِيمِ الْمَالِ وَلْيَنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ تَغْرِيمُ الرَّافِعِ أَوْ الْمَرْفُوعِ؟