وَرَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ لَعَلَّ هَذَا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ ذَلِكَ وَإِلَّا فَمِنْ قَبِيلِ إلْقَاءِ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَامُرْ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ (وَقِسْ عَلَى هَذَا) فَمَا أَدَّى إلَى فِتْنَةٍ دِينِيَّةٍ فَاجْتَنِبْهُ أَوْ إلَى فِتْنَةٍ بَدَنِيَّةٍ إنْ كَانَ لِغَيْرِك فَاجْتَنِبْهُ أَيْضًا إنْ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا وَإِنْ كَانَ لَك وَأَنْتَ صَابِرٌ فَجَائِزٌ وَجِهَادٌ وَإِلَّا فَاجْتَنِبْهُ (وَحَسْبُك فِي آفَةِ الْفِتْنَةِ قوله تعالى - {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} ) أَيْ الْمِحْنَةُ الَّتِي يُفْتَتَنُ بِهَا الْإِنْسَانُ أَصْعَبُ مِنْ الْقَتْلِ بِدَوَامِ تَعَبِهَا وَتَأَلُّمِ النَّفْسِ بِهَا وَفِي الْحَدِيثِ {إنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ اجْتَنَبَ الْفِتَنَ} أَيْ بَعُدَ عَنْهَا كَلُزُومِ الْبَيْتِ {وَلَمَنْ اُبْتُلِيَ} أَيْ بِالْفِتَنِ بِفَتْحِ اللَّامِ جَوَابُ قَسَمٍ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ {فَصَبَرَ} عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ وَصَبَرَ عَلَى ظُلْمِ النَّاسِ لَهُ وَتَحَمَّلَ أَذَاهُمْ، وَفِيهِ أَيْضًا الْفِتْنَةُ تَجِيءُ فَتَنْسِفُ الْعِبَادَ أَيْ تُهْلِكُهُمْ وَيَنْجُو الْعَالِمُ مِنْهَا بِعِلْمِهِ قَدْ تَكُونُ فِي النُّفُوسِ بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا كَالْمَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْجَاهِ وَقَدْ تَكُونُ فِي الْقُلُوبِ بِالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إلَى أَنْ تَرْتَقِيَ إلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالْفِتَنُ فِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ وَهِيَ الْعُظْمَى وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ وَأَصْلُ الْكُلِّ تَقْدِيمُ الرَّايِ عَلَى الشَّرْعِ فَفِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ إنَّمَا تُدْفَعُ بِكَمَالِ الْبَصِيرَةِ وَالْيَقِينِ وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ إنَّمَا تُدْفَعُ بِكَمَالِ الْعَقْلِ وَالصَّبْرِ وَالدِّينِ فَالنَّجَاةُ إنَّمَا هِيَ بِالْعِلْمِ وَمَا عَدَاهُ فِي الْهَلَاكِ هَذَا عُصَارَةُ مَا فِي الْفَيْضِ
أَخْرَجَ (عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ رحمه الله تعالى عَنْ يَحْيَى بْنِ عُطَارِدَ رضي الله تعالى عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {مَا جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الْبِرُّ} ) الطَّاعَةُ ( {وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ) عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ( {عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ} ) فِي قِلَّتِهِ. ( {إلَّا كَنَفْثَةٍ} ) أَيْ كَنَفْخَةٍ ( {فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} ) مَنْسُوبٌ إلَى اللُّجِّ وَهُوَ مُعْظَمُ الْمَاءِ أَيْ بَحْرٍ عَظِيمٍ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ أَيْ كَإِلْقَاءِ بُزَاقٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَحْرِ فَكَمَا أَنَّ النَّفْثَةَ الْوَاحِدَةَ فِي جَنْبِ الْبَحْرِ الْعَمِيقِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فَكَذَلِكَ ثَوَابُ سَائِرِ الْأَعْمَالِ فِي جَنْبِ ثَوَابِ الْحِسْبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ وَعَنْ الْمَوَاهِبِ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِعِظَمِ ثَوَابِهَا وَأَنَّهُ يَكَادُ أَنْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا إذْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَ النَّفْثَةِ وَالْبَحْرِ (فَمِنْ هَذَا) الْحَدِيثِ الَّذِي دَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْحِسْبَةِ. (قَالَ الْفُقَهَاءُ الْحِسْبَةُ) أَيْ الْقِيَامُ بِنَامُوسِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَفِي النِّصَابِ تَفْصِيلُ مَعْنَى الِاحْتِسَابِ وَالْحِسْبَةِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مُرِيدُهُ (آكَدُ مِنْ الْجِهَادِ) وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله تعالى عنه أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَفِي النِّصَابِ {قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ صِلَةُ الرَّحِمِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} (فَإِنَّهُ) أَيْ الْجِهَادُ (لَا يَجُوزُ عِنْدَ تَيَقُّنِ الْقَتْلِ) قَتْلِ الْكَفَرَةِ (وَعَدَمِ النِّكَايَةِ) عَدَمِ الْجِرَاحَةِ وَالضَّرَرِ وَالتَّاثِيرِ لَهُمْ (لِلْكَفَرَةِ) بِجِهَادِهِ مَعَهُمْ بِالْجُرْحِ وَالضَّرَرِ وَالتَّاثِيرِ فِيهِمْ لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِالْيَدِ إلَى التَّهْلُكَةِ بِلَا فَائِدَةٍ. (وَتَجُوزُ الْحِسْبَةُ) حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُوا عَنْ فَائِدَةٍ إمَّا لِلسَّامِعِ أَوْ لِلْفَاسِقِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَلَوْ فَاسِقًا إذَا رَأَى أَوْ سَمِعَ بَذْلَ الْمُحْتَسِبِ نَفْسَهُ إحْيَاءً لِدِينِهِ يَكُونُ مُتَأَثِّرًا بِخِلَافِ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حَقًّا وَيَرْجُونَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَتْلِ أَجْرًا فَضْلًا عَنْ التَّاثِيرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي.
(الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ) وَكَذَا الشَّفَاعَةُ وَالِاسْتِشْفَاعُ وَنَحْوُهُمَا سُؤَالُ أَمْرِ الْفَتْوَى وَتَوْلِيَةِ الْأَوْقَافِ وَالْوِصَايَةِ (فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ كَسُؤَالِ الْمَالِ) قِيلَ لَكِنَّهُ أَدْنَى مِنْ سُؤَالِ الْمَالِ فِي الْحُرْمَةِ وَقَالَ مَكْحُولٌ لَوْ خُيِّرْت بَيْنَ الْقَضَاءِ وَبَيْنَ ضَرْبِ عُنُقِي لَاخْتَرْت ضَرْبَ عُنُقِي عَلَى الْقَضَاءِ قِيلَ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْخَطِيبِ (خ م عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ