أُعْطِيتهَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( {مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ} ) أَيْ سُؤَالٍ ( {أُعِنْت عَلَيْهَا} ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْضًا أَيْ أَعَانَك اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْإِمَارَةِ وَحَفِظَك مِنْ الْإِثْمِ فِيهَا لِأَنَّ عَمَلَك يَكُونُ لِطَاعَةِ الْإِمَامِ وَطَاعَةُ الْإِمَامِ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَمِنْ يُطِعْ اللَّهَ يُعِنْهُ ( {وَإِنْ أَنْتَ أُعْطِيتهَا} ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( {عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْت إلَيْهَا} ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْكَافُ مُخَفَّفَةٌ أَيْ خُلِيت يَعْنِي لَا يُعِينُك اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا لِأَنَّك حَرَصْت عَلَى الْمَنْصِبِ وَالْجَاهِ فَلَا يَكُونُ عَمَلُك لِلَّهِ فَلَمْ يُعِنْكَ فَلَا تَتَحَصَّلُ رِعَايَةُ حُقُوقِ الْوِلَايَةِ لِأَنَّهُ بَحْرٌ عَمِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَوْفِيقٍ وَيَدْخُلُ فِي الْإِمَارَةِ الْقَضَاءُ وَالْحِسْبَةُ وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم فِي تَخْرِيجِ أَبِي دَاوُد {مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ يَنَالُهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ} لِأَنَّ الْعَدْلَ إعَانَةٌ مِنْهُ تَعَالَى مَعَ أَنَّهُ نَالَهُ بِالطَّلَبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُعَانُ بِسَبَبِ طَلَبِهِ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ الْعَدْلُ إذَا وَلِيَ أَوْ يُحْمَلُ الطَّلَبُ هُنَا عَلَى الْقَصْدِ وَهُنَاكَ عَلَى التَّوْلِيَةِ أَقُولُ لَعَلَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْإِعَانَةِ فِي الْجَمِيعِ أَوْ الْأَكْثَرِ وَمَا غَلَبَ عَدْلُهُ فِي الْقَلِيلِ أَوْ لَفْظُ مِنْ لَيْسَ قَطْعِيًّا فِي الْعُمُومِ وَلَوْ جُعِلَ مَوْصُولًا أَوْ مَوْصُوفًا لَاتَّضَحَ الْأَمْرُ زِيَادَةَ اتِّضَاحٍ (د ت عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {مَنْ ابْتَغَى} ) طَلَبَ ( {الْقَضَاءِ وَسَأَلَ فِيهِ} ) فِي حَقِّهِ ( {شُفَعَاءَ} ) يَشْفَعُونَ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ ( {وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ} ) وَمَنْ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ أَعْدَى عَدُوِّهِ وَتَرَكَ اللَّهُ نَصْرَهُ وَعَوْنَهُ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ رِعَايَةُ حُقُوقِ الْقَضَاءِ وَإِجْرَاءُ الشَّرْعِ كَمَا يَنْبَغِي وَقَدْ وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ لَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَإِنْ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي تُقَرِّبُنِي إلَى الشَّرِّ وَتُبَاعِدُنِي عَنْ الْخَيْرِ ( {وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ} ) أَيْ يُلْهِمُهُ السَّدَادَ وَيُوَفِّقُهُ لِلصَّوَابِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَلِيهِ إلَّا بِإِكْرَاهٍ فَلَا سَبِيلَ إلَى الشُّرُوعِ فِيهِ إلَّا بِالْإِكْرَاهِ وَفِي الْإِكْرَاهِ قَمْعُ هَوَى النَّفْسِ وَحِينَئِذٍ يُسَدَّدُ إلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ يَشْكُلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} وَعَنْ سُلَيْمَانَ عَلَى نَبِيِّنَا عليهما الصلاة والسلام {وَهَبْ لِي مُلْكًا} وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّرِيعَةَ السَّابِقَةَ الْمَحْكِيَّةَ لَنَا إنَّمَا تَكُونُ شَرِيعَةً لَنَا إذَا لَمْ تُنْكَرْ وَمِثْلُ مَا ذَكَرَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إنْكَارًا لَنَا أَوْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ لِعِصْمَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ الْقَضَاءَ بِلَا طَلَبٍ ثُمَّ تَرَكَهُ مُدَّةً ثُمَّ دَخَلَهُ ثَانِيًا قَالَ وَعِنْدَ الْقَضَاءِ كَانَ لِي مُنَاسَبَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكُنْت أَرَاهُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً فَتَرَكْت لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ عليه الصلاة والسلام فَقُطِعَتْ الْمُنَاسَبَةُ الْأُولَى بِالْكُلِّيَّةِ فَدَخَلْت مَرَّةً أُخْرَى فَرَأَيْته فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ تَرَكْت الْقَضَاءَ لِيَزِيدَ قُرْبَى وَكَانَ خِلَافُهُ فَقَالَ الْمُنَاسَبَةُ عِنْدَ الْقَضَاءِ أَزْيَدُ مِمَّا عِنْدَ التَّرْكِ لِأَنَّ عِنْدَ الْقَضَاءِ تَشْتَغِلُ بِإِصْلَاحِ نَفْسِك وَإِصْلَاحِ أُمَّتِي وَعِنْدَ التَّرْكِ تَشْتَغِلُ بِنَفْسِك فَقَطْ كَمَا فِي الشَّقَائِقِ وَيَشْكُلُ أَيْضًا بِعَدَمِ قَبُولِ الْإِمَامِ رحمه الله بَعْدَ الْإِكْرَاهِ وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْقَبُولُ لِتَسْدِيدِ الْمِلْكِ وَفِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكٍ أَحْضَرَ الْمَنْصُورُ الْإِمَامَ إلَى بَغْدَادَ وَطُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَهَرَبَ فَحَكَمَ بِحَبْسِهِ وَضَرْبِهِ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ حَتَّى ضُرِبَ مِائَةً وَعَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَلَمَّا تَتَابَعَ عَلَيْهِ الضَّرْبُ بَكَى وَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا فَمَاتَ مَحْبُوسًا مَبْطُونًا قِيلَ فَلَمَّا أَبَى دَسُّوا إلَيْهِ السُّمَّ فَقَتَلُوهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْنِهِ لِلزِّحَامِ إلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي السِّجْنِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ أَنَّهُ مَاتَ بِالضَّرْبِ أَوْ السُّمِّ وَالتَّوْفِيقُ أَنَّهُ سُقِيَ السُّمَّ ثُمَّ ضُرِبَ مَصْلُوبًا حَتَّى يَتَفَرَّقَ السُّمُّ وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ السُّمِّ قِيلَ دَسُّوا إلَيْهِ السُّمَّ وَلَمْ يَعْرِفْهُ وَقِيلَ أُكْرِهَ فَامْتَنَعَ وَقَالَ أَعْلَمُ مَا فِيهِ وَلَا أُعِينُ عَلَى نَفْسِي فَطُرِحَ وَصُبَّ فِي فَمِهِ فَلَمَّا أَحَسَّ بِمَوْتِهِ سَجَدَ فَمَاتَ سَاجِدًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ جَرَى لِلْإِمَامِ مِثْلُهُ مَعَ ابْنِ أَبِي هُبَيْرَةَ مَرَّةً أُخْرَى فِي أَيَّامِ الْمَرْوَانِيَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُولَى قَضَاءَ الْكُوفَةِ فَأَبَى فَحَبَسَهُ وَضُرِبَ سِيَاطًا عَلَى رَاسِهِ حَتَّى انْتَفَخَ رَاسُهُ وَوَجْهُهُ فَلَمْ يَقْبَلْ فَقَالَ ضَرْبَةٌ فِي الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ مَقَامِعِ الْحَدِيدِ فِي