فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 396

الْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ أُشَاوِرُ أَصْحَابِي فَأَخْرَجَهُ مِنْ السِّجْنِ فَهَرَبَ إلَى مَكَّةَ إلَى الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ فَجَاءَ زَمَنُ الْخَلِيفَةِ الْمَنْصُورِ فَأَكْرَهَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَسْدِيدَ الْمَلَكِ فِي مُطْلَقِ الْجَوَازِ وَاحْتِرَازَ الْإِمَامِ مَقَامُ التَّقْوَى بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ تَسْدِيدِ الْمَلَكِ فِي أَصْلِ الْجَوَازِ إذْ إلْقَاءُ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ لَعَلَّ لَهُ سَبَبًا خَفِيًّا لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمَنْصُورَ دَعَا الْإِمَامَ وَالثَّوْرِيَّ وَشَرِيكًا وَمِسْعَرًا فَقَالَ الْإِمَامُ أَمَّا أَنَا فَأَحْتَالُ وَالثَّوْرِيُّ يَهْرُبُ وَمِسْعَرٌ يَتَجَنَّنُ وَأَمَّا شَرِيكٌ فَلَا آمَنُ لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَكَانَ الْجُنْدِيُّ يَذْهَبُ بِهِمْ قَالَ سُفْيَانُ أُرِيدُ الْبَزَّازَ فَتَوَارَى بِالْحَائِطِ فَإِذَا سَفِينَةٌ مَمْلُوءَةٌ بِالشَّوْكِ فَقَالَ لِلْمَلَّاحِ خَلْفَ هَذَا الْحَائِطِ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَنِي أَرَادَ الْقَضَاءَ فَسَتَرُوهُ تَحْتَ الشَّوْكِ وَأَمَّا مِسْعَرٌ فَقَالَ لِلْخَلِيفَةِ كَيْفَ دَوَابُّك وَغِلْمَانُك فَتَرَكُوهُ وَقَالُوا إنَّهُ مَجْنُونٌ قَالَ يَا شَيْخُ مَا أَنْتَ قَالَ أَخْرِجُوهُ فَإِنَّهُ مُخْتَلُّ الْعَقْلِ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَقَالَ إنِّي رَجُلٌ بَزَّازٌ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يُرْضُونَ بِي فَتَرَكَهُ الْخَلِيفَةُ وَأَمَّا شَرِيكٌ فَقَالَ غَالِبُ حَالِي النِّسْيَانُ قَالَ نُطْعِمُك اللُّبَانَ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْك النِّسْيَانُ قَالَ لِي خِفَّةً فَبِالْآخِرَةِ تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ ثُمَّ عَزَلُوهُ لِمُمَاشَاتِهِ عَلَى خِلَافِ رَايِهِ (فَمِنْ هَذَا) أَيْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ (قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ قَبُولُ الْقَضَاءِ بِالِاخْتِيَارِ) وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لَهُ وَإِنْ جَازَ بِالْإِكْرَاهِ كَمَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْبَزَّازِيِّ لَا يَجُوزُ الطَّلَبُ بِحَالٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلَوْ كُلِّفَ بِلَا طَلَبٍ لَا يَجُوزُ أَيْضًا مَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَالْخَصَّافِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَلِذَا ضُرِبَ الْإِمَامُ أَيَّامًا وَقُيِّدَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَامْتَنَعَ فِي الْأَصَحِّ (وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ) بِلَا كَرَاهَةٍ إنْ أَهْلًا كَأَبِي يُوسُفَ وَإِلَّا فَمَعَ الْكَرَاهَةِ (رُخْصَةً إنْ كَانَ بِلَا سُؤَالٍ) بِلِسَانِهِ (وَلَا طَلَبٍ) بِقَلْبِهِ (وَلَا شَفَاعَةٍ) مِنْ الْغَيْرِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ رُخْصَةٌ وَالتَّرْكَ عَزِيمَةٌ وَقَدْ دَخَلَ فِي الْقَضَاءِ قَوْمٌ صَالِحُونَ وَتَحَامَى مِنْهُ قَوْمٌ صَالِحُونَ وَتَرْكُ الدُّخُولِ أَصْلَحُ دِينًا وَدُنْيَا وَفِي الْهِدَايَةِ الدُّخُولُ فِيهِ رُخْصَةٌ طَمَعًا فِي إقَامَةِ الْعَدْلِ قَالَ صلى الله تعالى عليه وسلم {عَدْلُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ} وَعَنْ مَسْرُوقٍ لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا وَاحِدًا بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ سَنَةٍ أَغْزُوهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (وَالْعَزِيمَةُ تَرْكُهُ) فَلَعَلَّهُ يُخْطِئُ ظَنُّهُ فَلَا يُوَافِقُ لَهُ أَوْ لَا يُعِينُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ كَذَا نُقِلَ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ {الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ} قَالَ الْمُنَاوِيُّ إنَّ مَرْتَبَةَ الْقَضَاءِ شَرِيفَةٌ وَمَنْزِلَتَهُ رَفِيعَةٌ لِمَنْ اتَّبَعَ الْحَقَّ وَحَكَمَ عَلَى عِلْمٍ بِغَيْرِ هَوًى وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَفِيهِ أَيْضًا قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ مُتَعَمِّدًا أَوْ قَضَى مُتَعَمِّدًا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُمَا فِي النَّارِ فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْحَقِّ عَلَى عِلْمٍ فَأَخْطَأَ فَلَيْسَ فِي النَّارِ بَلْ يُؤْجَرُ كَمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام {إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ} وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم الْقَضَاءَ مِنْ النِّعَمِ الَّتِي يُبَاحُ الْحَسَدُ عَلَيْهَا فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه {لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ رَجُلٌ أَتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا} وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَعَنْ أَبَوَيْهَا هَلْ تَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إلَى ظِلِّ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ وَإِذَا سُئِلُوا بَذَلُوهُ وَإِذَا حَكَمُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَقَالَ صلى الله تعالى عليه وسلم الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ عَامًا وَمُرَادُهُ إذَا قَضَى يَوْمًا بِالْحَقِّ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت