لحياته متى رجحت فائدته وحاجته للجزء المنقول إليه.*هذا عن الإنسان الميت، أما عن الإنسان الحى واقتطاع جزء منه فقد تقدمت الإشارة إلى أن فقه كل من الشافعية والزيدية يجيز أن يقطع الإنسان الحى جزء نفسه ليأكله عند الضرورة بشرط ألا يجد مباحا ولا محرما آخر يأكله ويدفع به مخمصته، وأن يكون الضرر الناشاء من قطع جزئه أقل من الضرر الناشاء من تركه الأكل.*ومتى كان الحكم هكذا فإنه يجوز تخريجا عليه القول بجواز تبرع إنسان حى يجزء من جسده لا يترتب على اقتطاعه ضرر به متى كان مفيدا لمن ينقل إليه في غالب ظن الطبيب.*لأن للمتبرع - كما تقدم - نوع ولاية على ذاته في نطاق الآيتين الكريمتين {ولا تقتلوا أنفسكم} النساء 29، {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} البقرة 195، ولا يباح أى جزء.*بل الجزء أو العضو الذى لا يؤدى قطعه من المتبرع إلى عجزه إو إلى تشويهه.*وبهذا المعيار يكون حكم نقل الدم من إنسان لآخر.*وإذ قد انتهى الرأى إلى إجازة شق جسم الميت أو تشريحه لأخذ عضو أو جزء منه وجواز نقله إلى جسم إنسان حى يستفيد به، وإلى جواز تبرع إنسان حى بأخذ عضو منه أو جزء عضو وجواز نقل هذا إلى إنسان آخر حى بالشروط سالفة الإشارة.*فإنه يمكن إيجاز الإجابة على الأسئلة المرددة في هذا الموضع على الموجه التالى إنه يجوز نقل عضو أو جزء عضو من إنسان حى متبرع لوضعه في جسم إنسان حى بالشروط الموضحة آنفا.*ومن هذا الباب أيضا نقل الدم من إنسان لآخر بذات الشروط.*ويحرم اقتضاء مقابل للعضو المنقول أو جزئه، كما يحرم اقتضاء مقابل للدم لأن بيع الآدمى الحر باطل شرعا لكرامته بنص القرآن الكريم وكذلك بيع جزئه ويجوز كذلك أخذ جزء من إنسان ميت ونقله إلى إنسان حى، ما دام قد غلب على ظن الطبيب استفادة هذا الأخير بهذا النقل باعتباره علاجا ومداواة، وذلك بناء على ما تقدم من أسس فقهية ويكون قطع العضو أو قطع جزئه من الميت إذا أوصى حى بذلك قبل وفاته أو يموافقة عصبته بترتيب الميراث إذا كانت شخصية المتوفى المأخوذ منه معروفة وأسرته وأهله معروفين، أما إذا جهلت شخصيته أوعرفت وجهل أهله فإنه يجوز أخذ جزء من جسده نقلا لإنسان حى آخر يستفيد به في علاجه أو تركه لتعليم طلاب كليات الطب، لأن في كل ذلك مصلحة راجحة تعلو على الحفاظ على حرمة الميت، وذلك بإذن من النيابة العامة التى تتحقق من وجود وصية أو إذن من صاحب الحق من الورثة أو إذنها هى في حالة جهالة شخص المتوفى أو جهالة أسرته.*ولا يقطع عضو من ميت إلا إذا تحققت وفاته.*والموت - كما جرى بيانه في كتب الفقه - هو زوال الحياة.*وعلامته إشخاص البصر وأن تسترخى القدمان وينعوج الأنف وينخسف الصدغان وتمتد جلدة الوجه لتخلو من الانكماش.*وفى نطاق هذا يجوز اعتبار الإنسان ميتا متى زالت مظاهر الحياة منه، وبدت هذه العلاماة الجسدية، وليس ما يمنع من استعمال أدوات طبية للتحقق من موت الجهاز العصبى، لكن ليس هذا وحده آية الموت بمعنى زوال الحياة بل إن استمرار التنفس وعمل القلب والنبض وكل أولئك دليل على الحياة، وإن دلت الأجهزة الطبية على فقدان الجهاز العصبى لخواصه الوظيفية، فإن الإنسان لا يعتبر ميتا بتوقف الحياة في بعض أجزائه، بل يعتبر كذلك شرعا وتترتب آثار الوفاة من تحقق موته كلية فلا يبقى فيه حياة ما، لأن الموت زوال الحياة، ويمتنع تعذيب المريض المحتضر باستعمال أية أدوات أو أدوية متى بان للطبيب أن هذا كله لا جدوى منه، وأن الحياة في البدن في سبيل التوقف، وعلى هذا فلا إثم إذا أوقفت الأجهزة التى تساعد على التنفس وعلى النبض متى بان للمختص القائم بالعلاج أن حالة المحتضر ذاهبة به إلى الموت.*ولعله من التتمة بيان حكم ما قد يثار عن المفاضلة بين عدد من المرضى الذين تساوت
حالتهم المرضية في ضرورة نقل عضو أو نقل دم أو إعطائه دواء، حالة أن الموجود هو عضو واحد أو كمية من الدم أو الدواء لا تكفى لإنقاذ الجميع، فهل تجوز المفاضلة بين المرضى في هذه الحال المتعلقة بأمور الحياة والموت أم ماذا لامراء في أن الآجال موقوتة عند الله سبحانه وتعالى، وأمر غيبى لا يصل إليه علم الإنسان.*وأن المرض ليس دائما علامة على قرب الأجل أو على حتمية الموت عقبه، وغلبة الظن أساس شرعى تقوم عليه بعض الأحكام فإذا غلب على ظن الطبيب المختص بحكم التجربة والممارسة، وبشرط إجادته وحذقه مهنة الطب أن أحد هؤلاء المرضى يفيده هذه العضو أو تلك الكمية من الدم أو الدواء كان له إيثاره بذلك، باعتبار أن العلامات والقرائن قد أكدت انتفاعه بهذا العضو أو بالدم إذا نقل إليه، أما إذا لم يغلب على ظن الطبيب ذلك بقرائن وعلامات مكتسبة من الخبرة والتجربة، فإن الإسلام قد أرشد إلى اتخاذ القرعة طريقا لاستبانة المستحق عند التساوى في سبب الاستحقاق وانعدام أوجه المفاضلة الأخرى، وهذه القرعة قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور كثيرة، منها الإقراع لمعرفة من ترافقه من نسائه أمهات المؤمنين في سفره.*والله سبحانه وتعالى أعلم.*