فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 396

وقال إمام الحرمين: وليس معنى الشبع أن يمتلاء حتى لا يجد مساغًا، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك. اهـ. قاله النووي.

المسألة الثانية: حدّ الاضطرار المبيح لأكل الميتة، وهو الخوف من الهلاك علمًا أو ظنًا.

قال الزرقاني في شرح قول مالك في «الموطأ» ، فيمن يضطر إلى أكل الميتة اهـ. وحدّ الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علمًا أو ظنًا، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لايفيد.

وقال النووي في «شرح المهذب» : الثانية في حدّ الضرورة.

قال أصحابنا: لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها قالوا ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك؛ فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها؛ لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك.

فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل: إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما: الحلّ.

قال إمام الحرمين وغيره: ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفي غلبة الظن. انتهى منه بلفظه.

وقال ابن قدامة في «المغني» : إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور.

وحدّ الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينًا كان أو ظنًّا، واللَّه تعالى أَعلم.

المسألة الثالثة: هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، وقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} .

ومن هنا قال جمع من أهل الأصول: إن الرخصة قد تكون واجبة، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضًا، وهو اختيار ابن حامد، وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمهم اللَّه، وقال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار، إلا أن يعفو اللَّه عنه.

وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، نقله القرطبي وغيره.

وممن اختار عدم الوجوب ولو أدّى عدم الأكل إلى الهلاك أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهم اللَّه وغيرهم، واحتجّوا بأن له غرضًا صحيحًا في تركه وهو اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت