فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 396

وقال ابن قدامة في «المغني» في وجه كل واحد من القولين، ما نصه: وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان:

أحدهما: يجب وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي.

قال الأثرم: سئل أبو عبد اللَّه عن المضطرّ يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار. وهذا اختيار ابن حامد، وذلك لقول اللَّه تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة، وقال اللَّه تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ؛ ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحلّه اللَّه فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال.

والثاني: لا يلزمه؛ لما روى عن عبد اللَّه بن حذافة السهمي صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرًا ممزوجًا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال: قد كان اللَّه أحلّه لي؛ لأنّي مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام؛ ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص؛ ولأن له غرضًا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة،

وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه.

وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلًا وجوب تناول ما يمسك الحياة؛ لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه، والعلم عند اللَّه تعالى.

المسألة الرابعة: هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير؟

اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقًا ويحكم عليه بالقطع. ففي «موطئه» ، ما نصه: وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة أيأكل منها وهو يجد ثمرًا لقوم أو زرعًا أو غنمًا بمكانه ذلك؟.

قال مالك: إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقًا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يردّ جوعه ولا يحمل منه شيئًا، وذلك أحبّ إليّ من أن يأكل الميتة.

وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقًا بما أصاب من ذلك؛ فإن أكل الميتة خير له عندي، وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت. اهـ.

وقال ابن حبيب: إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل؛ فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه.

الباجي: يريد أنه يدعوه أولًا إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه.

وقال خليل بن إسحاق المالكي في «مختصره» ، الذي قال فيه مبينًا لما به الفتوى عاطفًا على ما يقدم المضطر على الميتة وطعام غير إن لم يخف القطع، وقاتل عليه. هذا هو حاصل المذهب المالكي في هذه المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت