ومذهب الشافعي فيها: هو ما ذكره النووي في «شرح المهذب» ، بقوله: المسألة الثامنة: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير وهو غائب فثلاثة أوجه. وقيل ثلاثة أقوال: أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخيّر بينهما.
وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق اللَّه تعالى وحقّ الآدمي ولو كان صاحب الطعام حاضرًا، فإن بذله بلا عوض أو بثمن مثله أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ومعه ثمنه أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة فالمذهب والذي قطع به العراقيون والطبريون وغيرهم: أنه لا يلزمه شراؤه ولكن يستحب، وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلًا، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف؛ لضعف المالك وسهولة دفعه فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبًا، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح.
وقال البغوي: يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة ثم يجاء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى أو ثمن المثل، قال وإذا لم يبذل أصلًا وقلنا طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرًا، واللَّه أعلم.
حاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير.
قال الخرقي في «مختصره» : ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزًا لا يعرف مالكه أكل الميتة. اهـ.
وقال ابن قدامة في «المغني» ، في شرحه لهذا الكلام ما نصه: وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وزيد بن أسلم.
وقال مالك: إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان:
أحدهما: يأكل الطعام وهو قول عبد اللَّه بن دينار؛ لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه.
ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى؛ ولأن حقوق اللَّه تعالى مبنيّة على المسامحة والمساهلة وحقوق الآدمي مبنيّة على الشحّ والتضييق؛ ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته وحقّ اللَّه لا عوض له.
المسألة الخامسة: إذا كان المضطر إلى الميتة محرمًا وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة أو الصيد؟.
اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك وأبو حنيفة رحمهم اللَّه والشافعي، في أصح القولين: إلى أنه يقدم الميتة.
وعن الشافعي رحمه اللَّه تعالى قول بتقديم الصيد وهو مبنيّ على القول: بأن المحرم إن ذكّى صيدًا لم يكن ميتة.
والصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم؛ لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء اللَّه في سورة «المائدة» .