فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 396

وقوله تعالى {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ أَذِيَّةَ النَّاسِ حَاثَّةً عَلَى طَاعَتِهِمْ فِي ارْتِكَابِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَزَجْرَهُ لَهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا وَضَعَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَذَابَهُ حَاثًّا عَلَى طَاعَتِهِ وَزَاجِرًا عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ عَذَابِ اللَّهِ وَفِتْنَةِ النَّاسِ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ فَتَشْبِيهُهُ الْفِتْنَةَ بِعَذَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ قَطْعًا مُوجِبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ خَوْفِ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُحَرَّمِ وَهُوَ سِرُّ التَّشْبِيهِ هَا هُنَا وَأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - غَيْرُ مُحَرَّمٍ إنْ كَانَ غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ وَكَانَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَوْفِ كَالْخَوْفِ مِنْ الْأُسُودِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالظُّلْمَةِ وَكَالْخَوْفِ مِنْ أَرْضِ الْوَبَاءِ، وَمِنْ الْمَجْذُومِ عَلَى أَجْسَامِنَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ بَلْ صَوْنُ النُّفُوسِ وَالْأَجْسَامِ وَالْمَنَافِعِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمُفْسِدَةِ وَاجِبٌ لقوله تعالى {، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وَقَوْلُهُ: صلى الله عليه وسلم {فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ} وَعَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ فَقِسْ يَظْهَرْ لَك مَا يَحْرُمُ مِنْ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا لَا يَحْرُمُ، وَحَيْثُ تَكُونُ الْخَشْيَةُ مِنْ الْخَلْقِ مُحَرَّمَةً، وَحَيْثُ لَا تَكُونُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، هَذَا تَنْقِيحُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ قُلْت: وَمُرَادُهُ بِالْخَوْفِ مِنْ أَرْضِ الْوَبَاءِ خَوْفُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا مِنْ دُخُولِهَا فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِمَّا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم {إذَا سَمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ} قَالَ الْمُنَاوِيُّ: أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ جُرْأَةٌ عَلَى خَطَرٍ وَإِيقَاعٌ لِلنَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ وَالشَّرْعُ نَاهٍ عَنْ ذَلِكَ قَالَ اللَّه - تَعَالَى - {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَقَالَ الشَّيْخُ: النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ أَفَادَهُ الْعَزِيزِيُّ فَلَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {الْفَارُّ مِنْ الطَّاعُون كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ} وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَيْضًا {الْفَارُّ مِنْ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ، وَمَنْ صَبَرَ فِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ} كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيّ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَزِيزِيِّ أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ يَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدٍ وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُونُ بِقَصْدِ الْفِرَارِ ا هـ وَفِي حَاشِيَةِ الْحِفْنِيِّ فَإِنْ خَرَجَ لِنَحْوِ زِيَارَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ فَلَا بَاسَ بِذَلِكَ. ا هـ. وَسَيَاتِي نَقْلُ صَاحِبِ الْقَبَسِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {لَا عَدْوَى} أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَعْضِ الْأَمْرَاضِ بِدَلِيلِ تَحْذِيرِهِ عليه السلام مِنْ الْقُدُومِ عَلَى بَلَدٍ فِيهِ الْوَبَاءُ ا هـ كَمَا حَصَلَ الْعَزِيزِيُّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ} كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى خُصُوصِ سَبَبِهِ فَقَالَ قَالَهُ لِمَنْ اُسْتُشْهِدَ عَلَى الْعَدْوَى بِإِعْدَاءِ الْبَعِيرِ الْأَجْرَبِ لِلْإِبِلِ، وَهُوَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ الْمُسْكِتَةِ؛ إذْ لَوْ جَلَبَتْ الْأَدْوَاءُ بَعْضَهَا بَعْضًا لَزِمَ فَقْدُ الدَّاءِ الْأَوَّلِ لِفَقْدِ الْجَالِبِ فَاَلَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي، وَهُوَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الْخَالِقُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ا هـ وَذَلِكَ الْبَعْضُ هُوَ مَا لَمْ تَتَمَحَّضْ، وَلَمْ تَجْرِ لَا بِطَرِيقِ الِاطِّرَادِ وَلَا الْغَلَبَةِ عَادَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ فِي حُصُولِ الضَّرَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ كَالْجَرَبِ بِخِلَافِ مَا كَانَتْ عَادَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ فِي حُصُولِ الضَّرَرِ اضْطِرَارِيَّةً، أَوْ أَكْثَرِيَّةً كَالْجُذَامِ، فَإِنَّ عَوَائِدَ اللَّهِ إذَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ، وَإِذَا لَمْ تَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ حَرُمَ اعْتِقَادُهُ كَمَا سَيَتَّضِحُ وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.

(الْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يَكُونُ كُفْرًا أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَادِيَّةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا فَإِنَّ عَادَةَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم الصلاة والسلام خَرْقُ الْعَادَةِ فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت