فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 396

كَمَا سَأَلُوا نُزُولَ الْمَائِدَةِ مِنْ السَّمَاءِ وَخُرُوجَ النَّاقَةِ مِنْ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ أَوْ يَكُونَ وَلِيًّا لَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَادَةً بِذَلِكَ فَهُوَ جَارٍ عَلَى عَادَتِهِ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قِلَّةُ أَدَبٍ أَوْ لَا يَكُونَ وَلِيًّا وَيَسْأَلَ خَرْقَ الْعَادَةِ وَيَكُونَ مَعْنَى سُؤَالِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ وَلِيًّا مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ خَرْقَ الْعَادَةِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَتْ حَرَامًا، وَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ لِيَامَنَ الِاخْتِنَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ. (الثَّانِي) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةِ مِنْ الْمَرَضِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَنْتَفِعَ بِقُوَاهُ وَحَوَاسِّهِ وَأَعْضَائِهِ أَبَدَ الدَّهْرِ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْوَلَدَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ الثِّمَارَ مِنْ غَيْرِ أَشْجَارٍ وَغِرَاسٍ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فَطَالِبُ ذَلِكَ مُسِيءُ الْأَدَبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الدَّاعِي اللَّهُمَّ لَا تَرْمِ بِنَا فِي شِدَّةٍ فَإِنَّ عَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى جَارِيَةٌ قَطْعًا بِوُقُوعِ بَعْضِ الْأَنْفُسِ فِي الشَّدَائِدِ بَلْ لَا تَكَادُ نَفْسٌ تَسْلَمُ مِنْ شِدَّةٍ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الدَّاعِي خَرَقَ اللَّهُ الْعَادَةَ فِي بَقَائِك وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْعُرْفِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَعْطِنَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الْمَدْعُوُّ بِهِ لِهَذَا الدَّاعِي فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهَذَا الْعُمُومِ الْخُصُوصَ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَفُوتَ هَذَا الدَّاعِي رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ وَمَرْتَبَةُ الْمَلَائِكَةِ وَدَرَجَاتُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ بَعْضُ الشُّرُورِ وَلَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَوَحْشَةَ الْقَبْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهَذَا الْعُمُومِ الْخُصُوصَ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ نَظَائِرَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَفْهَمَ عَوَائِدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَصَرُّفَاتِهِ فِي خَلْقِهِ وَرَبْطِهِ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ إمْكَانِ صُدُورِهَا عَنْ قُدْرَتِهِ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ رَتَّبَ اللَّهُ تَعَالَى مَمْلَكَتَهُ عَلَى نِظَامٍ وَوَضَعَهَا عَلَى قَانُونٍ قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} . فَإِذَا سَأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَغْيِيرَ مَمْلَكَتِهِ وَنَقْضَ نِظَامِهِ وَسُلُوكَ غَيْرِ عَوَائِدِهِ فِي مُلْكِهِ كَانَ مُسِيئًا الْأَدَبَ عَلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ بَلْ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى أَدْنَى الْمُلُوكِ بَلْ الْوُلَاةِ، وَلِذَلِكَ عَابَ الْعُلَمَاءُ وَغَلَّطُوا جَمَاعَةً مِنْ الْعُبَّادِ حَيْثُ تَوَسَّطُوا الْقِفَارَ مِنْ غَيْرِ زَادٍ وَلَجَّجُوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ فِي غَيْرِ الزَّمَنِ الْمُعْتَادِ طَالِبِينَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَرْقَ عَوَائِدِهِ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ سَائِرُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ ذَاهِبُونَ عَنْهُ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ وَأَنَّ مَا عَدَاهَا يُنَافِي الِاعْتِمَادَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ فَقَدْ دَخَلَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ مَحْفُوفًا بِالْخَيْلِ وَالرَّجْلِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ عَلَى رَاسِهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَكَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مَعَ رَبِّهِ يَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَةٍ وَهُوَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ وَتَحْقِيقُ هَذَا الْبَابِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّوَكُّلَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ يَكْرَهُهُ مِنْ ضَيْرٍ لِأَجْلِ أَنَّهُ الْمُسْتَوْلِي بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَائِنَاتِ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي ذَلِكَ {مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ عَوَائِدُ فِي مُلْكِهِ رَتَّبَهَا بِحِكْمَتِهِ فَمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ انْقِطَاعُ الْقَلْبِ عَنْ غَيْرِهِ وَمُقْتَضَى سُلُوكُ أَدَبِهِ الْتِمَاسُ فَضْلِهِ مِنْ عَوَائِدِهِ. وَقَدْ انْقَسَمَ الْخَلْقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَحَصَلُوا عَلَى حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْأَسْبَابِ فَفَاتَهُمْ الْأَدَبُ الْوَاجِبُ الِاتِّبَاعِ. وَقِسْمٌ لَاحَظُوا الْأَسْبَابَ وَاسْتَوْلَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَحَجَبَتْهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَهَؤُلَاءِ فَاتَهُمْ التَّوَكُّلُ وَالْأَدَبُ وَهَذَا هُوَ الْمَهْيَعُ الْعَامُّ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ، وَقِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ وَعَوَائِدِهِ فِي مَمْلَكَتِهِ فَهَؤُلَاءِ جَامِعُونَ بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ وَهَذَا مَقَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَخَوَاصِّ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَلِيلَ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعَمَلِ وَلِذَلِكَ هَلَكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت