يزعمون أنهم على دين موسى، كما كان النصارى يزعمون أنهم على دين عيسى، ولكن كل فرقة من هؤلاء كانت قد بعدت بعدًا كبيرًا عن أصل دينها، وعن رسالة نبيها، وانحرفت إلى المدى الذي ينطبق عليه وصف الكفر، وكان المسلمون عند نزول هذا النص يقاتلون المشركين من العرب، كما كانوا على وشك أن يوجهوا إلى قتال الكفار من أهل الكتاب، ومن ثم جاء هذا النص ليقرر أن الاقتتال بين المختلفين على العقيدة إلى هذا الحد هو من مشيئة الله وبإذنه {ولو شاء الله ما اقتتلوا} ، ولكنه شاء، شاء ليدفع الكفر بالإيمان، وليقر في الأرض حقيقة العقيدة الصحيحة الواحدة التي جاء بها الرسل جميعًا فانحرف عنها المنحرفون.
وقد علم الله أن الضلال لا يقف سلبيًا جامدًا إنما هو ذو طبيعة شريرة، فلابد أن يعتدي، ولابد أن يحاول إضلال المهتدين، ولابد أن يريد العوج ويحارب الاستقامة، فلابد من قتاله لتستقيم الأمور،
{ولكن الله يفعل ما يريد} . . . قدر أن يقع القتال بين الهدى والضلال، وقدر أن يجاهد أصحاب الإيمان لإقرار حقيقته الواحدة الواضحة المستقيمة، وأنه لا عبرة بالانتساب إلى الرسل من أتباعهم إنما العبرة بحقيقة ما يعتقدون وحقيقة ما يعملون، وأنه لا يعصمهم من مجاهدة المؤمنين لهم أن يكونوا ورثة عقيدة وهم عنها منحرفون.
وهذه الحقيقة التي قررها الله للجماعة المسلمة في المدينة، حقيقة مطلقة لا تتقيد بزمان إنما هي طريقة القرآن في اتخاذ الحادثة المفردة المقيدة مناسبة لتقرير الحقيقة المطردة المطلقة). انتهى كلام الأستاذ سيد قطب.
فسبب العداوة إذًا وسبب المعركة والصراع والاقتتال هو الاختلاف العقائدي، الاختلاف بين الانتساب المزعوم لدين الله، وبين الانتساب الحقيقي لهذا الدين، الاختلاف بين صرف العبودية لغير الله من حجر أو شجر أو بشر، وبين صرفها لله وحده لا شريك له.
وهذا السبب هو الذي أفصح عنه القرآن وبينه أتم بيان، ونحن نصدق ربنا ونتهم عقولنا ومن عكس فقد انتكس ورام الضلال، فالله أحكم الحاكمين وأصدق القائلين جعل سبب المعركة العدواة في الدين رغم أن الناس ومنذ القديم يختلفون في مصالحهم المعاشية إلا أن هذا قط لم يكن سبب العداوة والبغضاء كما أخبر عنهم الذي خلقهم وأنزل هذا الكتاب لكل زمان ولكل مكان.