فإن قال الشهادة بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإن هذه الشهادة لا تنجيه، بل يدخل في عداد المنافقين، الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا: (. . . نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) [المنافقون: 1] . فرد الله عليهم تلك الدعوى بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون: 1] .
وقال - تعالى - أيضًا في شأن هؤلاء: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 8] .
وقال: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) [البقرة: 204] .
والأدلة في ذلك كثيرة جدًا وهي مبسوطة في أوائل سورة البقرة، وفي سورة التوبة أيضًا وغيرها.
فإذا قامت أعمال الإنسان واعتقاداته على عقيدة سليمة كان الإيمان قويًا سليمًا، وبالتالي يكون العمل مقبولًا بإذن الله، والعكس بالعكس.
ثم إن الناس يتفاوتون في الصدق تفاوتًا عظيمًا.
ومما ينافي الصدق في الشهادة تكذيب ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو تكذيب بعض ما جاء به؛ لأن الله - سبحانه - أمرنا بطاعة الرسول وتصديقه، وقرن ذلك بطاعته قال - تعالى: (مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء: 80] .
وقد يلتبس على بعض الناس الأمر في موضوع اليقين والصدق، لذا يقال: إن اليقين أعم من التصديق، وعلى ذلك يكون كلُّ موقن مصدقًا، وليس كل مصدق موقنًا؛ أي بينهما عموم وخصوص كما يقول أهل الأصول؛ أي أن الموقن قد مر بمرحلة التصديق.
6 -الإخلاص: وهو تصفية الإنسان عمله بصالح النية من جميع شوائب الشرك.
وذلك بأن تصدر منه جميع الأقوال والأفعال خالصة لوجه الله، وابتغاء مرضاته، ليس فيها شائبة رياء، أو سمعة، أو قصد نفع، أو غرض شخصي، أو شهوة ظاهرة أو خفية، أو أن يندفع للعمل لمحبة شخص، أو مذهب، أو مبدأ، أو حزب يستسلم له بغير هدى من الله.
والإخلاص كذلك مهم في الدعوة إلى الله - تعالى - فلا يجعل دعوته حرفة لكسب الأموال، أو وسيلة للتقرب إلى غير الله، أو الوصول للجاه والسلطان.
بل لابد أن يكون مبتغيًا بدعوته وجه الله والدار الآخرة، ولا يلتفت بقلبه إلى أحد من الخلق يريد منه جزاءً أو شكورًا.
والقرآن والسنة حافلان بذكر الإخلاص، والحث عليه، والتحذير من ضده، ومن ذلك قوله ـ تعالى: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر: 3] ، وقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: 5] ، وقوله: (قُلْ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي) [الزمر: 14] .