وأنكرت الجهمية ومن تبعهم المعتزلة والأشاعرة أيضا، كلهم ينكرون حقيقة النزول، وأما موقفهم من الأحاديث فمن ادّعى منهم أنها أحاد يقول: هذه آحاد لا تثبت بها العقائد فيردها من أصلها، وإذا لم يستطع ذلك وأقيمت عليه الحجة بأنها متواترة يفر إلى أحد الطائفتين المتقدمتين، يفر إما إلى التفويض فيقول: هذه نصوص يعني من النوع المتشابه كما تقدم، متشابهة لا يفهم أحد معناها؛ فيجب التفويض والإمساك عن الكلام فيها، لا نتكلم فيها ولا نفهمها ولا نثبت بها شيئًا، هذا معنى التفويض.
لا نثبت النزول، النزول الذي حقيقته معروفة، وهو قرب من جهة العلو، يعني أحاديث النزول يستدل بها أهل السنة على إثبات النزول، وفي نفس الوقت هي من أدلة العلو؛ لأن النزول إنما يكون من علو من فوق، فمن ينفي علوَّ الله لا يمكن أن يثبت له نزول؛ ولهذا قال بعض الأئمة يعني كيف تقولون في هذه الأحاديث -يعني أحاديث النزول، نزول الرب-؟ فقال: أثبتوا فوق، إذا أنت أثبتّ أن الله فوق فإنه -تعالى- يفعل ما يشاء، فأثبتوا فوق، فمن لا يثبت العلو لا يمكن أن يثبت النزول أبدًا، فأهل السنة يثبتون العلو لله ويثبتون النزول، يثبتون أنه -تعالى- فوق مخلوقاته مستوٍ على عرشه، نعم، على ما يليق به ويناسبه ويختص به لا يماثله في شيء من ذلك صفات المخلوقين.
فالنفاة المعطلة يعني يسوقون طريقين: إما طريق التفويض كما تقدم، أو طريق التأويل، يعني هذا مسلكهم في النصوص، إما التفويض وإما التأويل، وفي هذا المقام أهل التأويل منهم يقولون"ينزل": ينزل ملك من الملائكة أو"تنزل": تنزل رحمته +شيء، منهم من يقولون في مثل قوله -تعالى-: وَجَاءَ رَبُّكَ جاء أمره، لأن عندهم الله ما يجيء ولا ينزل ولا يفعل شيئا، لا يقوم به شيء، لا تقوم به الأفعال، فيتأولون بنحو هذا التأويل.