ولكن يقال: بأن إثبات صفة اليد لا يقتضي المماثلة والتشبيه, فإن الله تعالى مخالف لجميع الحوادث فذاته جل وعلا لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات, فلا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه هو شيئاَ من خلقه تعالى وتقدس, بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى.
ثم أن قولهم إن إثبات صفة اليد يستلزم التشبيه يجاب عنه من عدة وجوه:
أولًا: أن تفسير اليد بالقوة أو النعمة مخالف لظاهر اللفظ وما كان مخالفًا لظاهر اللفظ فهو مردود إلا بدليل.
ثانيًا: أنه مخالف لإجماع السلف, حيث أنهم كلهم مجمعون على أن المراد باليد (اليد الحقيقية) ولو قال قائل: لم يروَ عن هؤلا ما يفيد أن المراد باليد هي اليد الحقيقية قلنا لو كان عندهم معنى مخالف لظاهر اللفظ لقالوا به, فلما لم يقولوا به عُلم أنهم أخذوا بظاهر اللفظ وأجمعوا عليه.
ثالثًا: أنه يمتنع غاية الامتناع أن يراد باليد النعمة أو القوة في مثل قوله تعالى { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } (1) ووجهه أنه يمتنع غاية الامتناع, لأنه يستلزم أن تكون النعمة نعمتين فقط, ونعم الله لا تحصى ويستلزم أن تكون القوة قوتان, والقوة بمعنى واحد لا يتعدد, فهذا التركيب يمنع غاية المنع أن يكون المراد باليد القوة أو النعمة.
رابعًا: أنه لو كان المراد باليد القوة ما كان لآدم فضل على إبليس, بل ولا على الحمير والكلاب لأنهم كلهم خلقوا بقوة الله.
خامسًا: أن هذه اليد التي أثبتها الله جاءت على وجوه متنوعة يمتنع أن يراد بها النعمة, أو القوة, فجاء فيها ذكر الأصابع والقبض والبسط والكف واليمين وكل هذا يمتنع أن يراد بها القوة, لأن القوة لا توصف بهذه الأوصاف, وقد أبطل ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القول من عشرين وجهًا كما في كتابه الصواعق المرسلة (2) .
وصفة اليد ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع:
(1) صّ: من الآية75)
(2) ص. 370-379.