وفي قوله ( بلا كيف جل الواحد .. ) احتراز من التكييف وفي نفيه للتكييف نفي للتمثيل , لأن الممثل مكيف , ولذا ( كل ممثل مكيف وليس كل مكيف ممثلًا ) لأن الممثل يقول ينزل الله كنزول المخلوق , وهو في الوقت نفسه كَّيف صفات الله بكيفية صفات المخلوق , وليس كل مكيف ممثلًا لأن التكييف يكون بتمثيل , وقد يكون بلا تمثيل وإنما بتخيل الذهن .
( بلا كيف ) مراد الناظم بهذا القول , أي: بلا كيف معلوم لنا , فهو نفيٌ لعلمنا بالكيفية وليس نفيًا للكيفية , لأن ما لا كيفية له لا وجود له , فإن صفات الله لها كيفيةٌ اللهُ أعلم بها , ولذا قال الإمام مالك رحمه الله ( والكيف مجهول ) ولم يقل: الكيف معدوم .
والعلم بكيفية الصفات فرع عن العلم بكيفية الذات , فإذا قال الجهمي كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ؟ قل كيف هو في ذاته ؟ فإذا قال أنا لا أعلم كيفيته قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له .
فأهل السنة يقولون ينزل الله إلى السماء الدنيا كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكيفيون , فلا يجعلون لصفة الله كيفيةً ككيفية المخلوق , ولا كيفية يتخيلونها في الذهن , والمعطلة الذين نفوا النزول إنما نفوه بعد تكييفٍ , لأنه قد استقر في أذهانهم النزول الذي في المخلوق , وهذا الذي فهموه في عقولهم ظنوا أن أهل السنة يثبتونه فرموهم بالتشبيه .