غير الحارث قلت فأخبرن عن قولك أن الناس خلقوا أنفسهم أفبكما لهم خلقوها لأرواحهم وأجسادهم وصورهم وأنفاسهم أم خلق بعض ذلك غيرهم قال بكمالهم لم يخلق ذلك ولا شيئا منه غيرهم قلت فأخبرني الحياة أحب إليهم أم الموت قال أوتشك أنهم لا شيء أحب إليهم من الحياة ولا أبغض إليهم من الموت قلت فأخبرن من خلق الموت الذي يخرج أنفسهم التي زعمت أنهم خلقوها فإنك لا تنكر أن الموت غير الحياة وأنه هو الذي يذهب بالحياة فإن قلت أن الذي خلق الموت غيرهم فإن الذي خلق الموت هو الذي خلق الحياة لهم فإن قلت هم الذين خلقوا الموت لأنفسهم فإن هذا محال من القول وكيف خلقوا لأنفسهم ما يكرهون إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم هذا ما يستنكر من ضلالك أن تزعم أن الناس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم وأن الحياة أحب إليهم من الموت وأنهم خافوا ما يكرهون لأنفسهم قال ما أجد واحدا من القولين ينقاد لي وقد قطعته علي من قبل الغاية التي أريدها قلت دعني من الدخول في أبواب الجهالات وما لا ينقاد من الكلام وإنما أسألك عن معلم هذا الحساب الذي علم أهل الأرض علم هذه النجوم المعلقة في السماء فلا بد أن تقول أن هذا الحكيم علمه حكيم في السماء قال إن قلت هذا فقد أقررت لك بإلهك الذي تزعم أنه في السماء قلت أما أنت فقد أعطيتني أن حساب هذه النجوم حق وأن جميع الناس ولدوا بها قال أتشك في غير هذا قلت وكذلك أعطيتني أن أحدا من أهل الأرض لم يرق إلى السماء فيعرف مجاري هذه النجوم وحسابها قال لو وجدت السبيل إلى أن لا أعطيك ذل لفعلت قلت وكذلك أعطيتني أن أحدا من أهل الأرض لا يقدر أن يغيب مع هذه النجوم والشمس والقمر في المغرب حتى يعرف مجاريها ويطلع منها إلى المشرق قال الطلوع إلى السماء دون هذا قلت فلا أراك تجد بدا من أن تزعم أن المعلم لهذا من أهل السماء قال لئن قلت لك إنه ليس لهذا الحساب معلم لقد علمت إذن غير الحق ولئن زعمت أن أحدا من أهل الأرض علم علم ما في السماء وما تحت الأرض لقد أبطلت لأن أهل الأرض لا يقدرون على علم ما وصفت من هذه النجوم والبروج بالمعاينة فإما الدنو منها فلا يقدرون عليه لأن علم أهل الدنيا لا يكون عندنا إلا بالحواس ولا يدرك علم هذه النجوم بالحواس لأنها معلقة في السماء وما زادت الحواس على النظر إليها حيث تطلع وحيث تغيب فأما حسابها ودقايقها وسعودها ونحوسها وبطيئها وسريعها وخنوسها ورجوعها فأنى يدرك بالحواس أو يهتدي إليه بالقياس قلت فأخبرني لو كنت واصفا معلم هذا الحساب وواضع هذه الأشياء من أهل الأرض أحب إليك أم من أهل السماء قال من أهل السماء إذ كانت هذه النجوم في السماء حيث لا يعلم أهل الأرض قلت فافهم وأدق النظر وناصح نفسك ألست تزعم أن جميع أهل الدنيا إنما يولدون بهذه النجوم وإنهن على ما وصفت من السعود والنحوس وإنهن كن قبل الناس قال ما أمتنع من أن أقول هذا قلت أفليس ينبغي لك أن تعلم أن قولك إن الناس لا يزالون وما زال قد أنكر عليك حيث كانت النجوم قبل الناس فما تجد بدا من القول بأن الأرض خلقت قبلهم قال ولم تقول أن الأرض خلقت قبل الناس قلت أليس تعلم أنه لو لم تكن الأرض التي جعلها الله لخلقه فراشا ومهادا ما استقام الناس ولا غيرهم من الخلق ولا قدروا أن يكونوا في الهواء إلا أن تكون لهم أجنحة وما تغني الأجنحة إذا لم تكن لهم معيشة قلت ففي شك أنت إن الناس خلقوا بعد الأرض والبروج قال لا ولكن على اليقين من ذلك قلت آتيك أيضا بما تبصره قال ذلك انفي للشك عني قلت ألست تعلم أن الذي تدور عليه هذه النجوم والشمس والقمر هو هذا الفلك قال بلى قلت أفليس كان أساسا لهذه النجوم قال بلى قلت فما أرى أن هذه النجوم التي زعمت أن مواليد الناس بها إلى وقد وضعت بعد هذا الفلك لأنه به تدور البروج ويسفل مرة ويصعد أخرى قال قد جئت بأمر واضح لا يشكل على ذي عقل إن الفلك الذي يدور بالنجوم هو أساسها الذي وضع لها لأنها إنما جرت به قلت فقد أقررت أن خالق النجوم التي يولد الناس بها سعودهم ونحوسهم هو خالق الأرض لأنه لم لو يكن خلقها لم يكن ذر قال ما أجد بدا من إجابتك إلى ذلك قلت أفليس ينبغي أن يدلك عقلك على أنه لا يقدر على خلق السماء إلا الذي خلق الأرض والذر والشمس والقمر والنجوم وأنه لولا السماء وما فيها لهلك