رابعا: اتصاله بهرم وتوالي أيادي هرم عليه كل هذه الأسباب جعلته جيد المدح. ولذلك قالوا: «كان أشعر الناس امرىء القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب» . ويقصدون من ذلك أن أجود شعر امرىء القيس كان في وصف الخيل والصيد وأجود شعر زهير كان في المدح وأجود شعر النابغة كان في الاعتذار وأجود شعر الأعشى كان في وصف الخمر.
وكان زهير ينقح شعره مدة طويلة فتسمى كبار قصائده «الحوليات» ، وعدّ من عبيد الشعر ولذلك كان زهير «أبعد الشعراء عن السخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من اللفظ، وأكثرهم أمثالا في شعره» وكان لا يتتبع حوشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه.
والظاهر أن طول تهذيبه لشعره إنما كان في طوال قصائده وهي أربع:
إحداها، مطلعها [1] : [البسيط]
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
والثانية [2] : [البسيط]
إن الخليط أجدّ البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا
والثالثة [3] : [البسيط]
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزوّدوك اشتياقا أية سلكوا
والرابعة [4] : [الوافر]
لمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلا له حقب قديم
تظهر هذه الرّويّة في شعره كل الظهور، فهو هادىء رزين في تفكيره، يتخيّر المعاني التي تناسب موضوعه، ويتخيّر لهذه المعاني خير الألفاظ، يرفق مواضع الرفق، ويشتدّ في مواضع الشدة.
كذلك عرف بالميل إلى الحكمة جرّب الدهر وحلب أشطره وخبر الناس وعرف نفوسهم فعمد إلى صياغة ذلك كله في شعره وكان ملهما فأتى بما لم يسبق
(1) البيت في الديوان ص 113.
(2) البيت في الديوان ص 72.
(3) البيت في الديوان ص 78.
(4) البيت في الديوان ص 118.