فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 550

والمعلقة نفسها خير ردّ على هذا الرأي فهي صورة لحياة جاهلية لا شك فيها وتمثّل حياة عمرو نفسه تمام التمثيل، والشخصية الفنية في المعلقة شبيهة تمام الشبه بالآثار الفنية القليلة التي ثبتت صحتها لعمرو مما ورد في الحماسة وسواها.

وبعد فنستطيع أخيرا أن نقول إن أميّة نظم مجمهرته متأثّرا فيها بعمرو ومعلقته.

وأنه قلّد عمرا تقليدا فنيّا واضحا لا لبس فيه، والتقليد الفني ليس ببعيد على الشعر الجاهلي ولا بغريب فيه، وكما قلّد الشعراء المحدثون من تقدّمهم من أئمة الشعر العربي فقد كان الشاعر الجاهلي يقلّد من سبقه من الشعراء.

الطبع والصّنعة في الشعر الجاهلي

بيّن القدامى والمحدثين من النقّاد خلاف كبير في تحديد معنى الطبع والصّنعة يرى الأوّلون أن التهذيب الفني للأسلوب هو الصنعة، فالمصنوع هو المثقف المهذب من الشعر، أما الطبع فهو خلوّ الأثر الأدبي من آثار التجويد والتنقيح، ويرى الآخرون أن شعور الشاعر بنفسه حدّ بين الطبع والصنعة، فإذا كان الشعر صادقا مؤثّرا فهو من شعر الطبع، وإلا فهو مصنوع متكلّف، والأديب المطبوع عندهم من كان غير مقلّد في معناه أو في لفظه، وكان صاحب موهبة في نفسه وعقله لا في لسانه فقط.

ورأى المحدثين المعاصرين من النقّاد اصطلاح جديد في معنى الطبع والصّنعة.

وأرى أن الأولى في تحديد معناهما أن نجمع بين الرأيين الذين يتلاقيان ولا يتناقضان.

فالطبع هو الملكة القادرة في نفس الشاعر والأديب التي توحى إليه بفنّه وأدبه وحي الفطرة والطبيعة واستجابة لعواطفه ومشاعره، دون تكلّف وتعب في الصّوغ أو استجداء لترف الأسلوب والصناعة. أما الصنعة فهي إحساس الشاعر أو الأديب بآثار الجمال الفنّي وترف الأداء وزخرف الأسلوب. وحبّه لهذا الجمال والتّرف والزخرف، وهيامه الفنّي بها، وقصده إليها، وتعمّده لها في شعره حتى ليطلب الفن للفن، ويستلهم الجمال للجمال، ويستوحي الشعر من ملكاته الفنية التي استبدّت بها هذه النزعة، مما يطغى على نفس الشاعر وشعوره وعواطفه وإحساسه بالحياة.

ويجمع جمهور النقّاد في القديم والحديث على عيب الصنعة والتصنيع، وسمّوا المصنّعين من الشعراء في العصر الجاهلي عبيد الشعر، وعابوا شعرهم، قال الأصمعي الأديب الراوية الناقد 216هـ: زهير والنابغة وأشباههما عبيد الشعر وقال: الحطيئة وهو شاعر إسلامي مشهور عبد لشعره، قال الجاحظ إمام الأدباء والنقّاد م 255هـ:

عاب الأصمعي شعره حين وجده كله متخيّرا مستويا لمكان الصنعة والتكلّف والقيام عليه، وكان الأصمعي يستحسن التفاوت في الشاعرية لأنه مظهر الطبع، وخلوّ الشعر من آثار الصناعة، وعلى هذا الرأي يسير بعض المحدثين ممّن يرى أن التفاوت في شعر الشاعر دليل على عبقريته وطبعه، ويعدّه العقّاد الآية الناطقة على شاعرية المتنبي وعظيم مكانته في الشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت