موقف النقّاد من الشعر الجاهلي
الشعر الجاهلي الذي اتخذه الشعراء في مختلف العصور أصلا يحتذون حذوه وينهجون منهجه، ويبنون عليه ويقلّدونه في مناهجه الفنية والأدبية تقليدا كبيرا، هذا الشعر هو الذي نريد أن نتحدث عن موقف النقّاد منه وآرائهم فيه، ومذاهبهم حياله، حديثا يجمع مع الإيجاز أطراف هذا الموضوع المتشعّب الدقيق.
وأول ما نذكره في هذا البحث آراء الجاهليين أنفسهم في الشعر الجاهلي ونقده، وهذه الآراء كثيرة متعددة طائفة منها تتحدث عن منزلة بعض الشعراء الأدبية في الشعر، وطائفة أخرى فيها نقد لبعض الشعراء.
فأنت تعلم أن كل قبيلة في الجاهلية كانت ترفع منزلة شاعرها على الشعراء وتذهب إلى أنه إمامهم وأولهم في دولة الشعر، فكان اليمنيون يذهبون إلى أن امرأ القيس هو إمام الشعراء، وكان بنو أسد يذهبون إلى تقديم عبيد، وتغلب تقدّم مهلهلا، وبكر تقدّم المرقش الأكبر، وإياد ترفع من شأن أبي دؤاد وهكذا. وكان أهل الحجاز والبادية يقدّمون زهيرا والنابغة وأهل العالية لا يعدلون بالنابغة أحدا، وأهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحدا، وكان العباس بن عبد المطلب يقول عن امرىء القيس: هو سابق الشعراء، ورأى لبيد أن أشعر الناس امرؤ القيس ثم طرفة ثم نفسه.
كما نعلم أن الجاهليين أنفسهم كانت لهم آراء كثيرة في نقد الشعراء، فكان النابغة تضرب له قبّة حمراء في سوق عكاظ.
كانت تأتيه الشعراء وتنشده أشعارها، أتاه الأعشى يوما فأنشده، ثم أتاه حسّان فأنشده، فقال: لولا أن أبا بصير أنشدني آنفا لقلت إنك أشعر الجنّ والإنس، فقال
حسان: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك وجدّك، فقبض النابغة على يده وقال: يا ابن أخي أنت لا تحسن أن تقول: [الطويل]