شعر امرىء القيس:
امرؤ القيس أسبق شعراء العربية إلى ابتداع المعاني والتعبير عنها، افتتح أبوابا من الشعر ووفّق إلى تشبيهات وطرق موضوعات لم يسبق إليها. ففتح باب الغزل وأطال الوصف، وأمعن فيه، وأبدع تصويره هذا إلى لفظ جزل موجز، وسبك محكم يتخلّله مثل مرسل، وحكمة بالغة.
وكان شعره مرآة لحياته، وتاريخ قومه. فقد ذكرنا أنه كان لاهيا مولعا بالشراب.
فكذلك كان شعره في شبابه صورة لحياته.
يمثّل شعره حياته وترفه في بدء شبابه، فقد كان يخرج إلى الصيد بالطّهاة يطهون له ولصحبه ما يصيد: [الطويل]
وظلّ طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجّل [1]
حتى إذا انتهت حياة اللهو والتّرف وحمل عبء أبيه كان شعره صورة لآماله:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال [2]
ولكنما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
وهو يصف حزنه على أبيه، وتهديده لقتلته بني أسد: [المتقارب]
تطاول ليلك بالأثمد (1) ... ونام الخليّ ولم ترقد [3]
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد (2)
وذلك من نبأ جاءني ... وخبّرته عن أبي الأسود
ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد (3)
الأثمد: اسم موضع.
(2) العائر: الذي يجد وجطّا في عينه، وهو في هذا البيت الوجير نفسه.
(3) النثا: الحديث.
(1) البيت في ديوان امرىء القيس ص 120، ورواية صدر البيت في الديوان:
فظل طهاة الحي من بين منضج
(2) البيتان في ديوان امرىء القيس ص 129.
(3) الأبيات في ديوان امرىء القيس ص 5553، وفي البيت الثالث «وأنبتته» بدل «وخبّرته» .