فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 550

وفيها يقول لناقته: [الطويل]

فآليت لا أرثي لها من كلالة (1) ... ولا من حفا (2) حتى تزور محمدا

نبيّ يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا (3)

متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحي (4) وتلقي من فواضله يدا

فبلغ خبره قريشا قطّ، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صنّاجة (5) العرب ما مدح أحدا قطّ إلا رفع قدره.

فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرّمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته. ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال:

لعلّي إن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار. ثم ماذا؟ قالوا: الرّبا. قال: ما دنت ولا أدنت. ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال: أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس (6) فأشربها.

قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا وإن ظهر علينا أتيته، فقال:

ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن أتى محمدا وأتبعه ليضرمنّ عليكم نيران العرب بشعره، فاجمعوا له مائة من الإبل ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة (7) رمى به بعيره فقتله.

شعر الأعشى:

1 -للأعشى ديوان شعر كبير طبع مرارا، وقد قدّمه كثير من النقّاد محتجّين بكثرة طواله الجياد وتصرّفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر وقيل: إنه أمدحهم للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعرا وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان لمؤدّب أولاده: أدّبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، الكلالة: التعب.

(2) الحفا: رقد القدم.

(3) أغار: دخل الغور وهو كل ما انحدر مغربا عن تهامة. وأنجد: دخل النجد، وهو سور الغور.

(4) تراحي: تستريحي.

(5) كان الأعشى يسمى صنّاجة العرب، لجودة شعره، وأصل الصنّاجة: اللاعب بالصّنج.

(6) المهراس: حجر منقور يسع كثيرا من الماء.

(7) منفوحة: قرية مشهورة من نواحي اليمامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت