فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 550

الشعراء الذين خلد ذكرهم على مرّ العصور؟ ولقد كان الناشىء في الجاهلية يتتلمذ على شاعر مشهور يروي شعره ويأخذ عنه فنّه الأدبي. وكان الشعراء يعرضون قصائدهم على غيرهم من الخبيرين بفن الشعر وصناعته، واستمر هذا إلى ما بعد الإسلام. ثم إن هذه المجازات والأخيلة هي من خصائص البيان العربي ومميزاته التي تكسبه روعة وجمالا.

إن من العقوق للعربية أن نذهب مذهب الأستاذ العقاد من الغلوّ فيما رمى به الشعر الجاهلي من التفكّك وعدم اتّساق الفكرة وارتباطها واتصال معانيها، وما أظن ذلك وإن كان موجودا فيه مما يؤاخذ عليه الشعر الجاهلي إلى هذا الحدّ البعيد، وفيم الفرق إذا بين الأسلوب الفني الجميل وبين الأسلوب العلمي وحقائقه المنطقية المرتبة، إن الشعر فنّ قبل أن يكون فلسفة.

وأخيرا فللعقاد رأيه في عدم اتخاذ الشعر الجاهلي مثالا يحتذيه، ولقد أخذ نفسه بذلك فلم يكن له حظ من الخلود في الشعراء. أما نحن فنقول: إنه لا داعي لأن يملأ شعراؤنا المعاصرون شعرهم بألفاظ العقنقل والسجنجل والجندل والحنظل كما فعل امرؤ القيس مثلا، ولا بالإثمد والبرجد والمسرهد كما فعل طرفة. وليس من المناسب أن نترسّم خطاهم في بكاء الأطلال ووصف الدّمن وذكر محاسن الخيل وكلاب الصيد، فلنا بدلا من ذلك كله مجال فسيح لقول الشعر في عصر الكهرباء والذّرّة والأثير والطائرات. أما فيما عدا ذلك من الألفاظ والأغراض فالشعر الجاهلي أروع ما يحتذى في مذاهب النظم وجمال الصياغة وحسن الأداء.

وكتب الأستاذ أحمد أمين عدّة مقالات في الثقافة بعنوان «جناية الشعر الجاهلي على الأدب العربي» ردّ عليها الأستاذ علي النجدي ناصف في صحيفة دار العلوم بمقالة عنوانها «هل جنى الشعر الجاهلي على الأدب العربي؟» 4021مجلة دار العلوم عدد أكتوبر 1939ولا داعي للإفاضة في ذكر ذلك كله فهو كلام معاد مكرور.

أما الأولى فهي معلّقة عمرو بن كلثوم (600500) المشهورة:

ألا هبّي بصحنك فأصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا

وأما الثانية فهي مجمهرة أمية بن أبي الصلت (624500) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت