ولكن هذا النفوذ لم يدم طويلا فقد عاد اللخميون إلى نفوذهم في الحيرة وقربهم من ملك فارس ودسّوا الدسائس لأولاد الحارث فقتل سلمة وشرحبيل وتنكّر بنو أسد لحجر ونبذوا طاعته وأمسكوا عن دفع الأتاوة له. واستعان حجر بجند من ربيعة وأعمل في بني أسد السيف واستباح أموالهم وحبس أشرافهم ومنهم عبيد بن الأبرص الشاعر ثم رقّ لهم وأطلق سراحهم فحقدوا عليه واغتالوه.
وفي أخبار الرومان أن حجرّا وأخاه معديكرب قاما ببعض غزوات على حدود المملكة البيزنطية من أواخر القرن الخامس الميلادي.
وبموت حجر تضعضعت سلطة كندة.
نشأ امرؤ القيس في بيت ملك واسع الجاه، وكان من صباه ذكيّا متوقّد الذّهن فلما ترعرع أخذ يقول الشعر ويصوّر به عواطفه وأحلامه. نشأ نشأة ترف يحب اللهو ويشبّب بالنساء ويقول في ذلك الشعر الماجن، فطرده أبوه وآلى ألّا يقيم معه فكان يسير في أحياء العرب، ومعه طائفة من شباب القبائل الأخرى كطيىء وكلب، وبكر بن وائل، يجتمعون على الشراب والغناء عند روضة أو غدير، ويخرج هو للصيد فيصيد ويطعمهم من صيده. وظل كذلك حتى جاءه نعي أبيه وهو بدمون (قرية بالشام وقيل في اليمن) ، فرووا أنه قال: «ضيّعني أبي صغيرا، وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدا، اليوم خمر، وغدا أمر» .
رحل امرؤ القيس يستنصر القبائل للأخذ بثأر أبيه من بني أسد فاستنجد بقبيلتي بكر وتغلب فأعانوه وأوقعوا ببني أسد وقتلوا منهم، واكتفت بكر وتغلب بذلك وقالوا له قد أصبت ثأرك وتركوه. ولكن امرأ القيس كان يريد التنكيل ببني أسد ويحاول أن يعيد لنفسه ملك أبيه، فلم يقنعه ما فعلت بكر وتغلب، فذهب إلى أهله باليمن يستنصرهم، فأعانوه بجنود ذهب بهم إلى بني أسد، ولكن ملك الحيرة أخذ يؤلّب عليه ويدسّ الدسائس له حتى فشل وظلّ شريدا يتنقل بين أمراء العرب حتى نزل أخيرا على السموأل بتيماء فأجاره. وطلب إليه امرؤ القيس أن يكتب إلى الحارث أمير الغساسنة بالشام ليوصله إلى قيصر ملك الرومان ويمهّد لامرىء القيس السبيل للسفر إلى القسطنطينية يطلب المعونة منه ليعيد إليه ملكه فأجاب السموأل طلبه فأودعه امرؤ القيس امرأته ودروعا له كان يتوارثها ملوك كندة، ورحل إلى قيصر.
وكان ذلك في عهد القيصر (يوستنيانوس) .