فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 550

ولد ونشأ عمرو بن كلثوم في أرض قومه التغلبيين، وكانوا يسكنون الجزيرة الفراتية وما حولها، وتخضع قبيلته لنفوذ ملوك الحيرة مع استقلالهم التام في شؤونهم

الخاصّة والعامّة، والحيرة كما نعلم إمارة عربية أقامها الفرس على حدود الجزيرة العربية، وحموها بالسلاح والجنود.

نشأته وحياته:

ولد عمرو بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعا هماما خطيبا جامعا لخصال الخير والسؤدد والشرف، وبعد قليل ساد قومه وأخذ مكان أبيه وله من العمر خمس عشرة سنة، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلّين.

قاد عمر الجيوش وحارب أعداء قومه وكان مظفرا في كثير من أيامهم وحروبهم، وأكثر ما كانت فتن تغلب وحروبها مع أختها بكر بن وائل بسبب الحرب المشهورة «البسوس» ، وفي آخر الأمر أصلح بينهما المنذر ملك الحيرة وأخذ من كلّ منهما رهينة من الغلمان مائة غلام من أشرافهم حتى لا يعودوا إلى القتال، ولمّا تولّى الحيرة عمرو ابن هند عام 562م حذا حذو أبيه، فحدث أن عمرو ابن هند وجّه قوما من بكر وتغلب إلى جبل طيىء في أمر من أموره، فنزلوا على ماء لبني شيبان وهم من بكر، فأبعدوا التغلبيين عن الماء حتى ماتوا عطشا، وقيل بل أصابتهم شموم في بعض مسيرهم فهلكوا وسلم البكريون، فطلب التغلبيون دينهم من بكر واختصما وتحاكما إلى عمرو ابن هند، وكان سيد تغلب هو عمرو بن كلثوم، وشاعر بكر هو الحارث بن حلزة، فتفاخرت القبيلتان بين يديه، وفي هذا الموقف قال الحارث بن حلزة معلّقته يفتخر فيها ببكر وقال عمرو بن كلثوم بعض معلقته يفتخر فيها بتغلب، وأثّرت قصيدة الحارث بن حلزة على عمرو ابن هند، فقضى لبكر حقدا على تغلب وحسدا لعمرو، لإدلاله بشرفه وحسبه ومجده.

ويقال إن عمرو ابن هند الملك وكان جبّارا متكبّرا مستبدّا كان يريد إذلال عمرو وإهانته ويضمر ذلك في نفسه، وأنه كان جالسا يوما مع ندمائه فقال لهم:

«هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمه من خدمة أمي هند؟ فقالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم، قال: ولم؟ قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمّها كليب بن وائل أعزّ العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو وهو سيد قومه، وكانت هند عمّة امرىء القيس بن حجر الشاعر المشهور، وكانت أم ليلى بنت مهلهل هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرىء القيس وبينهما هذا النسب، فأرسل عمرو ابن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه أمه، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب، وأمر عمرو ابن هند برواقه فضرب فيها بين الحيرة والفرات

وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على عمرو ابن هند في رواقه. ودخلت ليلى وهند في قبّة من جانب الرواق، وكان عمرو ابن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بمائدة ثم دعا بطرف، فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فأعادت عليها فصاحت ليلى: «واذلّاه، يا لتغلب!! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه ونظر إليه عمرو ابن هند فعرف الشرّ في وجهه فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف لعمرو ابن هند معلّق بالرّواق ليس هناك سيف غيره فضرب به رأس ابن هند وقتله وكان ذلك نحو سنة 569م ونادى عمرو في بني تغلب فانتبهوا ما في الرّواق وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة وجاشت نفس ابن كلثوم وحمي غضبه وأخذته الأنفة والنخوة فنظم بعض معلّقته في هذه الحادثة، يصف فيها حديثه مع ابن هند ويفتخر بأيام قومه وغاراتهم المشهورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت