ومعاني زهير كما قلت تنبع من نفسه وتصدر عن حسّه، وتتصل بمظاهر البيئة في حياته لا يمعن فيها في طلب المحال ولكنه يعمد إلى الصدق فإذا بالغ في
أداء المعنى اختار طريق المبالغة المقبولة فقال مثلا [1] : [الطويل]
فلو كان حمد يخلد الناس أخلدوا ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد
وإذا أراد أن يجود في المدح اختار ما هو أليق به وأقرب إلى ذوق الناس في عصره من وصف ممدوحه بالبطولة والشجاعة والعفّة والنائل الكثير، والتهلّل عند ورود العفاة ولكنه لا يزعم أبدا أن ممدوحه فعل المعجزات وصنع المستحيلات ونالت قدرته السموات، كما يزعم المحدثون من الشعراء وتشيع في معاني زهير الحكمة الصادقة والتجربة الصحيحة، والخبرة الواعية بالحياة وأحداثها ومشكلاتها. ومن ثم عدّ من شعراء الحكمة في الشعر الجاهلي.
ومعاني زهير لا يسوقها سوق الحسّ والمشاهدة فحسب، ولكنه يتكىء فيها على خياله ليبرزها في ألوان مجنحة من صنعة الخيال المتصرّف في ملكات النفس والشعور وهذا الخيال عند زهير من صنعته أن يقرب البعيد ويسهل الصعب من المعاني ويوضح الغامض، وأجنحة هذا الخيال في مبالغة مقبولة أو استعارة صادقة، أو كناية قريبة أو تشبيه مستطرف في ثنايا شعره.
خامسا من حيث الأغراض:
أجاد زهير إجادة عالية في الحكمة والمدح والغزل، وقارب من الإجادة في الوصف والفخر والعتاب وكان متوسطا في الهجاء والرثاء والاعتذار وقد مضت نماذج لهذه الفنون من شعره ولكن الذي نريد أن نتحدث عنه هو أسباب تجويده في المدح وهذه الأسباب من أهمها:
أولا: حرص زهير على تسجيل بعض مآثر سادات العرب الذين كان لهم مكان مرموق في الحياة الجاهلية وأثر واضح في فضّ مشكلات الحرب بين قبائلها.
ثانيا: الوفاء الذي طبعت عليه نفس زهير وشدة تأثّر بأيدي ممدوحيه عليه.
ثالثا: اعتزازه بمفاخر القبيلة ومجدها ومآثرها مما كان يدفعه إلى مدح قومه.
(1) البيت في الديوان ص 41، ورواية صدر البيت في الديوان:
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت