يغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامّة التغلبيين وسلم البكريون، فقالت تغلب لبكر بن وائل: أعطونا دية غلماننا فأبت بكر ذلك فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم واجتمعت بكر إلى النعمان بن هرم اليشكري واجتمع الجمع عند الملك عمرو ابن هند وتلاحى عمرو بن كلثوم والنعمان بن هرم أمام الملك فغضب عمرو ابن هند وكان يؤثر بني تغلب على بكر واشتدّ غضبه على بكر والنعمان صاحبهم فقام الحارث بن حلزة وارتجل قصيدته ارتجالا وهو متوكىء على قوسه وكان الملك يسمع قصيدة الحارث من وراء حجاب لأنه كان لا يحب رؤية أحد فيه سواه وكان الحارث به وضح فلما أنشد القصيدة أدناه حتى خلص إليه ويقال إن الحارث عندئذ كان طاعنا في السّنّ وكان فوق المائة وترى أثر السّنّ ونضوجها وحكمتها وحلمها ووقارها في القصيدة واضحا جليّا حيث ردّ على تغلب في أناة وهدوء وحمّلها تبعة الحرب واستدرج عمرو ابن هند إلى أن يكون في جانب قومه فمدحه ومدح قومه وبها قضى عمرو لبكر على تغلب وأطلق رهنهم وكانوا عدّة فتيان من أشراف بكر.
وقد بدأها بالغزل ووصف الناقة، ثم وصل إلى غرضه من الخصومة بين بكر وتغلب: [الخفيف]
وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء، وخطب نعني به ونساء
ويردّ على عمرو بن كلثوم بقوله:
أيها الناطق المرقش عنّا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟
ثم يأخذ في مدح عمرو ابن هند:
فملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر ابن ماء السماء
ملك أضلع البرية لا يو ... جد فيها لما لديه كفاء؟
وفي المعلّقة بعد ذلك أبيات لها قيمة كبيرة في شرح أحداث تاريخية وسياسية من صلح كان بين تغلب:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكنفلآء
وأيام كانت بين تغلب أخرى غلبت فيها تغلب:
أعلينا جناح كندة: أن يغنم غازيهم، ومنّا الجزاء؟