التديّن آثار في تنمية ملكاته وإرهاف مشاعره وذوقه وعاطفته ووجدانه، مما يساعد على تكوين ملكات الشعر ومواهبه.
وكانت بيئة الحيرة المتحضّرة ومشاهدها وكثرة رحلاته في البلاد، واتصاله بالملوك وخبرته الواسعة، وذكاؤه العجيب، باعثا على تقوية خياله وكثرة معانيه، وسهولة أساليبه في الشعر.
ولقد سمع عديّ وهو صغير الشعراء في الحيرة ينشدون ملوكها الشعر الجيد والمدائح العالية والقصائد المحبّرة كالنابغة، وحسّان، وعلقمة، والأعشى، والمتلمس وطرفة وسواهم. فغذّى ذلك الجوّ الأدبي شاعريته وأيقظ فطرته الأدبية ونشأه على الشعر ونظمه:
وكانت المنافسات الأدبية، ورغبته الحافزة في التفوق على أقرانه وفي استدامة نفوذه وجاهه الذين كانا له مما يدفعه إلى قوله الشعر والإجادة فيه إلى غير ذلك من بواعث شاعريته وأسبابها.
يمتاز شعر عديّ بكثرة المعاني
وويمتاز شعر عديّ بكثرة المعاني وتنوّعها ودقّتها مع الوضوح والصدق ولعلّ هذه الكثرة راجعة إلى أثر حياته وبيئته وثقافته في شعره والحكمة والتجربة الصادقة تشيعان في معانيه.
وخياله خيال غذّي بالحضارة فقلّت صور البادية وأثرها فيه وفي شعره وتكثر فيه الصور العقلية وتقلّ الصور المادية في شعره، ومن ثم اتكأ خياله على العقل والفطنة لا على المحسّات والمشاهدات المادية. وهو مقتصد في تشبيهاته ومجازاته.
ويمتاز أسلوبه بشيوع الرقّة والسهولة، وعدم ظهور الجزالة ووضوحها فيه.
ويرجع ذلك إلى بيئته الحضرية التي عاش فيها وهي بيئة الحيرة، وإلى كثرة إقامته بالمدائن، ورحلاته إلى بلاد الشام وسواها، مما أشاع في شعره السهولة، ولذلك كثر الغناء به، وقد كانت هذه السهولة مدعاة إلى اللين، مما عابه النقّاد عليه، حتى قال ابن سلّام فيه:
«وعديّ كان يسكن الحيرة ويراكز الريف، فلان لسانه، وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف، وخلط فيه المفضل
فأكثر» (1) . وقال ابن قتيبة: «كان عديّ يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير جدّا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة» (2) .