أما القرن الرابع الهجري فقد كان أحفل قرن بالنقد والنقّاد وظهرت فيه أصول كتب النقد الأدبي مثل: نقد الشعر لقدامة م 337هـ وأخبار أبي تمام الصولي م 336هـ والموازنة للآمدي م 371هـ، وإعجاز القرآن للباقلاني م 405هـ، والوساطة للجرجاني م 392هـ كما ظهر في القرن الخامس ابن رشيق م 456هـ
صاحب العمدة، وابن سنان الخفاجي م 466هـ صاحب كتاب سرّ الفصاحة، وظهر كتاب الأسرار والدلائل لعبد القاهر الجرجاني م 471هـ.
وكان النقّاد في هذين القرنين يسيرون على نهج الجاحظ فلم يتعصّبوا للشعر الجاهلي لتقدّم زمنهم ولم يميلوا على المحدثين لتأخّر عصرهم. بل حكموا الذوق وحده في كل شيء، حتى لقد وقفوا معدّدين لأخطاء الجاهليين كما فعل الآمدي والجرجاني وابن رشيق وسواهم. قال الآمدي في كتاب الموازنة (1) : «وما رأينا أحدا من شعراء الجاهلية سلم من الطعن ولا من أخذ الرّواة عليه الغلط والعيب» . وقال صاحب الوساطة في أول كتابه: «ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية، فانظر هل تجد فيها قصيدة تسلم من بيت أو أبيات لا يمكن لعائب القدح فيه: إما في لفظه ونظمه أو ترتيبه وتقسيمه أو معناه، أو إعرابه. ولولا أن أهل الجاهلية جدّوا بالتقدّم، واعتقد الناس فيهم أن القدوة والأعلام والحجة، لوجدت كثيرا من أشعارهم معيبة مسترذلة ومردودة منفية لكن هذا الظن الجميل، والاعتقاد الحسن، ستر عليهم ونفى الظنّة عنهم فذهبت الخواطر في الذنب عنهم كل مذهب، وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام» (2) . ولو (3) تصفّحت ما تكلّفه النحويون لهم من الاحتجاج، وتبيّنت ما راموه في ذلك من المرامي البعيدة، وارتكبوا لأجله من المراكب الصعبة، التي يشهد القلب أن المحرّك لها والباعث عليها شدّة إعظام المتقدّم، والكلف بنصرة ما سبق إليه الاعتقاد وألفته النفس. وأزرى الآمدي والجرجاني بموقف بعض النقّاد المتعصّبين على المحدثين (4) كالأصمعي الذي أنشده إسحق الموصلي: [الخفيف]
هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروّي الصدى ويشفي الغليل
إن ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير ممّن تحب القليل
فقال: لمن تنشدني؟ فقال: لبعض الأعراب، فقال: هذا والله هو الديباج الخسرواني، فقال إسحق: إنهما لليلتهما. فقال الأصمعي: لا جرم والله إن أثر الصنعة والتكلّف بيّن عليهما، وكابن الأعرابي الذي (5) أنشده بعض الناس شعراء وهو لا يعرف قائله، فأعجب به إعجابا شديد وكتبه، فلما علم أنه لأبي نواس أنكره.
ص 18الموازنة ط بيروت.
(2) ص 3و 4وساطة ط صبيح.
(3) ص 7المرجع.
(4) ص 10الموازنة، ص 50وساطة.
(5) ص 279ج 2زهر الآداب.
ونقد الباقلاني في إعجاز القرآن قصيدة امرىء القيس: [الطويل]