عبر المعتصم - الخليفة العباسي- من مدينة سر من رأى من الجانب الغربي وذلك في يوم مطير، وقد تبع ذلك ليلة مطيرة، وانفرد من أصحابه، وإذا حمار قد زلق ورمى بما عليه من الشوك، وهو الشوك الذي توقد به التنانير بالعراق، وصاحبه شيخ ضعيف واقف ينتظر إنسانًا يمر فيعينه على حمله فوقف عليه، وقال: ما لك يا شيخ؟ قال: فديتك! حماري وقع عنه هذا الحمل، وقد بقيت أنتظر إنسانًا يعينني على حمله، فذهب المعتصم ليخرج الحمار من الطين، فقال الشيخ: جعلت فداك! تفسد ثيابك هذه وطيبك الذي أشمه من أجل حماري هذا؟ قال: لا عليك، فنزل واحتمل الحمار بيد واحدة وأخرجه من الطين، فبهت الشيخ وجعل ينظر إليه ويتعجب منه، ويترك الشغل بحماره، ثم شد عنان فرسه في وسطه، وأهوى إلى الشوك وهو حزمتان فحملهما فوضعهما على الحمار، ثم دنا من غدير فغسل يديه واستوى على فرسه، فقال الشيخ: رضي الله عنك، فديتك يا شاب! وأقبلت الخيول، فقال لبعض خاصته: أعط هذا الشيخ أربعة آلاف درهم، وكن معه حتى تجاوز به أصحاب المسالح - مواضع - وتبلغ به قريته. هذه صورة رائعة من صور التواضع من خليفة من كبار الخلفاء في الدولة العباسية، خفض فيها جناح ذله ورحمته لشيخ كبير من رعاياه، لم ير لنفسه في هذا الموقف قيمة على من سواه، إذ لم يصعر خده لهذا الشيخ الضعيف، ولم ينتظر الأجناد حتى يدركوه فيأمر بعضهم بمساعدة هذا الرجل، بل قام بالأمر بنفسه، فضرب بهذا التصرف مثلا عجيبًا في التواضع للمؤمنين.
لما فتح المسلمون مصر بقيادة الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه أرسل المقوقس رسلًا إلى عمرو، فحبسهم عمرو عنده يومين، ولما رجعوا إلى القوقس سألهم: كيف رأيتم؟ فقالوا: رأينا قومًا الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم. فقال المقوقس عند ذلك: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد! لأجل هذا هابهم الأعداء وخشيهم الألداء، ولما تنكبت الأجيال من بعدهم الطريق تداعت على أمتنا الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها، وماهم بقليل، ولكنه حب الدنيا وكراهية الموت.
من مواقفها الرائعة موقفها يوم أسر النساء في موقعة صحورا (بالقرب من مدينة حمص السورية) . فقد وقفت فيهن، وكانت قد أسرت معهن، فأخذت تثير نخوتهن، وتضرم نار الحمية في قلوبهن، ولم يكن من السلاح شيء معهن. فقالت: خذن أعمدة الخيام، وأوتاد الأطناب، ونحمل على هؤلاء اللئام، فلعل الله ينصرنا عليهم، فقالت عفراء بنت عفار: والله ما دعوت إلاّ إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرت. ثم تناولت كل واحدة منهن عمودًا من عمد