فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 128

قال: فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتدِدن في الجبل، رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن. فلما رأى الرماة المشهد أخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، ونزلوا عن مواقعهم، فصاح بهم عبد الله بن جبير: مكانكم، عهد رسول /أن لا تبرحوا، فأبوا إلا النزول. نزلوا وهم يظنون إلا أن الحرب قد وضعت أوزارها، ناسين بذلك الأوامر المشدّدة من النبي /بلزوم المواقع وعدم البراح عنها. لقد عصوا بذلك أمر النبي /، وتركوا حماية الظهر، فوقعت السنة الإلهية عليهم، السنة لا تحابي أحدًا ولا تداريه، فدارت الدائرة عليهم، وانقلبت رحى المنون إلى دارهم، فكانت نتيجة هذه المعصية أن قتل من الصحابة سبعون، وكان يوم بلاء وتمحيص خلص فيه المشركون إلى رسول /، فرجم بالحجارة حتى وقع لشقه، وأصيبت رباعيته، وشج وجهه، وكلمت شفته، فدخل في وجنته حلقتان من حلَق المِغْفَر. فتساءل القوم: أنى هذا؟! كيف أصابنا الضر ونحن جند محمد /؟! فأنزل الله قوله الفصل وحكمه العدل: /أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ/ [آل عمران:165] ، قل: هو من عند أنفسكم.

إنه درس للأمة عظيم، فإذا كان الجيل المبارك جيل الرسالة قد أصيب بما أصيب به بسبب معصية الرماة وتخليهم عن مواقع الحماية فإن غيرهم من باب أولى وأحرى، /وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ/ [الشورى:30] .

دب الألم في أيوب عليه السلام، وزاد البلاء عليه في ماله وولده وجسده، حتى لم يبقَ في جسده مَغْرِز إبرة إلا وفيه من الضر ما فيه، واستمرّ به البلاء سنين، فلجأ إلى الله واتجه إلى مولاه، /أَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ/ [الأنبياء:83] ، فجاء جبريل برسالة: /ارْكُضْ بِرِجْلِكَ/ [ص:42] ، وليس العجب لو ركض جبريل إنما العجب أن يركض العليل، فزال الوباء وانكشف البلاء، /فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَءاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ/ [الأنبياء:84] .

قال الحسن البصري: (ابن آدم! إنما أنت عدد أيام، إذا قضى منك يوم؛ مضى بعضك واذا مضى البعض يوشك ان يذهب الكل! فكم من أعمار ضاعت .. وضاع أصحابها! وكم من أعمار .. انقضت قبل أن تنقضي آمال أصحابها! وكم من أعمار .. عاشها أصحابه بغير غاية! وكم من أعمار .. انقضت في غير طاعة الله تعالى!

يقول سعد -رضي الله عنه-: (وما سمعت أمي بخبر اسلامي حتى ثارت ثائرتها وكنت فتى بارا بها محبا لها فأقبلت علي تقول:(يا سعد ما هذا الدين الذي اعتنقته فصرفك عن دين أمك و أبيك؟ والله لتدعن دينك الجديد أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فيتفطر فؤادك حزنا علي ويأكلك الندم على فعلتك التي فعلت وتعيرك الناس أبد الدهر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت