فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 128

وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل"حمص"، فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم. فرفعوا كتابا فإذا فيه: فلان وفلان وسعيد بن عامر وهو اميرهم والوالي عليهم، فقال: ومن سعيد بن عامر؟! فقالوا: أميرنا. قال: أميركم فقير؟! قالوا: نعم، ووالله إنه ليمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار. فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد إلى ألف دينار فجعلها في صرة وقال: اقرؤوا عليه السلام مني، وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك. جاء الوفد لسعيد بالصرة فنظر إليها فإذا هي دنانير، فجعل يبعدها عنه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ـ كأنما نزلت به نازلة أو حل بساحته خطب ـ فهبت زوجته مذعورة وقالت: ماشأنك يا سعيد؟! أمات أمير المؤمنين؟! قال: بل أعظم من ذلك، قالت: أأصيب المسلمون في وقعة؟! قال: دخلت علي الدنيا لتفسد آخرتي، وحلت الفتنة في بيتي. قالت: تخلص منها ـ وهي لا تدري من أمر الدنانير شيئا ـ قال: أو تعينيني على ذلك؟ قالت: نعم. فأخذ الدنانير فجعلها في صرر ثم وزعها على فقراء المسلمين.

أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ديار الشام يتفقد أحوالها فلما نزل بحمص ـ وكانت تدعى"الكويفة"وهو تصغير للكوفة وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم كما كان يفعل أهل الكوفة ـ فلما نزل بها لقيه أهلها للسلام عليه فقال: كيف وجدتم أميركم اي سعيد بن عامر الجمحي رضي الله عنه؟ فشكوه إليه وذكروا أربعا من أفعاله، كل واحد منها أعظم من الآخر.

قال عمر فجمعت بينه وبينهم، ودعوت الله ألايخيب ظني فيه؛ فقد كنت عظيم الثقة به. فلما أصبحوا عندي هم وأميرهم، قلت: ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، فقلت: وما تقول في ذلك يا سعيد؟ فسكت قليلا، ثم قال: والله إني كنت أكره أن أقول ذلك أما وإنه لابد منه، فإنه ليس لأهلي خادم، فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم، ثم أتريث قليلا حتى يختمر، ثم أخبزه لهم، ثم أتوضأ وأخرج للناس، قال عمر: فقلت لهم: وما تشكون منه أيضا؟ قالوا: إنه لايجيب أحد بليل، قلت: وما تقول في ذلك يا سعيد؟ قال: إني والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضا فأنا جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل، قلت: وما تشكون منه أيضا.

قالوا: إنه لا يخرج إلينا يوما في الشهر، قلت: وما هذا يا سعيد؟ قال: ليس لي خادم يا أمير المؤمنين، وليس عندي ثياب غير التي علي، فأنا أغسلها في الشهر مرة وأنتظرها حتى تجف، ثم أخرج إليهم في آخر النهار.

ثم قلت: وما تشكون منه أيضا، قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمن في مجلسه، فقلت: وما هذا يا سعيد؟! فقال: شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك، ورأيت قريشا تقطع جسده وهي تقول: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ فيقول: والله ما أحب ان أكون آمنا في أهلي وولدي، وأن محمد تشوكه شوكة ... وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي ... وأصابتني تلك الغشية، عند ذلك قال عمر: الحمد لله الذي لم يخيب ظني به. ثم بعث له بألف دينار ليستعين بها على حاجته. فلما رأتها زوجته قالت له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت