عن عبدِ اللَّهِ بن مسعُودٍ رضيَ اللَّهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: «لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقَالُ ذَرَّةٍ مَنْ كِبرٍ» فقال رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حسنًا، ونعلهُ حسنا قال: «إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ» رواه مسلم. بَطَرُ الحقِّ: دفْعُهُ وردُّهُ على قائِلِهِ. وغَمْطُ النَّاسِ: احْتِقَارُهُمْ.
كان صلى الله عليه وسلم يحمل ابنة ابنته وهو يصلي بالناس إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وجاء الحسن والحسين وهما ابنا بنته وهو يخطب الناس فجعلا يمشيان ويعثران فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما حتى ووضعهما بين يديه ثم قال صدق الله ورسوله (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (لأنفال:28) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
مرض أحد الصحابة يومًا، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه الرسول، فقيل له: إنه انتقل إلى رحمة الله، فقال ألم يقل شيئًا، فقيل له إنه حين وفاته قال: ليتها كانت كثيرة، ليتها كانت الجديدة، ليته كان كاملًا، فلم ندر ماذا يعني بذلك، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام، إن هذا الصحابي كان يسعى ذات يوم جمعة، مهرولًا إلى المسجد، فوجد في الطريق رجلًا ضريرًا، وليس معه من يقوده، فأخذ بيده إلى المسجد، فعند الموت رأى ثواب ذلك فقال: ليتها كانت كثيرة. وكان في يوم من أيام الشتاء القارس، يسعى إلى صلاة الصبح، فوجد رجلًا بالطريق، يكاد يموت من شدة البرد، وكان يلبس حُلتين إحداهما جديدة، والأخرى قديمة، فأعطى الرجل القديمة، وعند الموت رأى ثواب ذلك، فقال ليتها كانت الجديدة. وفي أحد الأيام، رجع إلى داره، فسأل امرأته عما لديها من طعام، فقدمت له رغيفًا من خبز الشعير، فلما هم بتناوله، إذا بطارق بالباب يقول: إني جائع، فأعطاه نصف الرغيف، وعند موته رأى ثواب هذا فقال ليته كان كاملًا.
يروى أن بعض أصحاب الشبلي رآه في النوم بعد موته، فقال له: ماذا فعل الله بك؟ قال الشبلي: أوقفني الله بين يديه وقال: يا أبا بكر، أتدري بماذا غفرت لك؟ قلت: بصالح عملي؟ قال: لا. قلت: بإخلاصي في عبوديتي؟ قال: لا. قلت: بحجي وصومي وصلاتي؟ قال: لا. لم أغفر لك بذلك. قلت: بهجرتي إلى الصالحين و إدامة أسفاري في طلب العلوم؟ قال: لا. قلت: فهذه يا رب هي المنجيات التي كنت أعقد عليها خنصري وظني أنك تعفو عني وترحمني. قال: كل هذه لم أغفر لك بها. قلت: فَبِمَ يا رب؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي في دروب بغداد، فوجدت هرة صغيرة قد أضعفها البرد، وهي تنزوي من جدار إلى جدار من شدة البرد والثلج، فأخذتها رحمة لها، وأدخلتها في فروٍ كان عليك وقاية لها؟ قلت: نعم! قال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك.