يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا"البخاري [1] "
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ:"أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: دُونَكَ"
(1) - صحيح البخاري (3/ 67) (2125)
[ش (أجل) حرف جواب مثل نعم. (شاهدا) لأمتك بتصديقهم وعلى الكافرين بتكذيبهم. (مبشرا) للمؤمنين. (نذيرا) للكافرين / الأحزاب 45 /. (حرزا للأميين) حصنا للعرب. (المتوكل) المعتمد على الله تعالى. (بفظ) سيء الخلق. (غليظ) شديد في القول. (سخاب) يرفع صوته على الناس. (يقيم الملة العوجاء) ينفي الشرك ويثبت التوحيد. (عميا) لا تبصر الحق. (صما) لا تسمع دعوة الخير. (غلفا) غطتها ظلمة الشرك]
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: هُوَ لَيِّنُ الْجَانِبِ شَرِيفُ النَّفْسِ، لَا يَرْفَعُ الصَّوْتَ عَلَى النَّاسِ لِسُوءِ خُلُقِهِ، وَلَا يُكْثِرُ الصِّيَاحَ عَلَيْهِمْ فِي السُّوقِ لِدَنَاءَتِهِ، بَلْ يُلِينُ جَانِبَهُ لَهُمْ وَيَرْفُقُ بِهِمْ. قُلْتُ: فَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37] (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المؤمنون: 96] الْآيَةَ. وَإِطْلَاقُ السَّيِّئَةِ عَلَى جَزَائِهَا إِمَّا لِلْمُشَاكَلَةِ وَالْمُقَابَلَةِ، أَوْ لِكَوْنِهِ فِي صُورَةِ السَّيِّئَةِ، أَوْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى دَفْعِهَا بِالْحَسَنَةِ كَأَنَّهَا سَيِّئَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. (وَلَكِنْ يَعْفُو) أَيْ: عَنِ الْمُسِيءِ (وَيَغْفِرُ) أَيْ: يَسْتُرُ، أَوْ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: 13] ،وَقَوْلُهُ: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159] وَهَذَا أَقْرَبُ مَرَاتِبِ مُعَامَلَتِهِ مَعَ الْمُسِيئِينَ، وَقَدْ كَانَ يُقَابِلُهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ (حَتَّى يُقِيمَ بِهِ) أَيْ: بِوَاسِطَتِهِ (الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ) : كَمَا فِي التَّنْزِيلِ ذَمًّا لِلْكُفَّارِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا. وَقَالَ فِي مَدْحِ دِينِ الْإِسْلَامِ. {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ - وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 36 - 52] قَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُ بِهِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهَا قَدِ اعْوَجَّتْ فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ فَزِيدَتْ وَنُقِصَتْ وَغُيِّرَتْ وَبُدِّلَتْ، وَمَا زَالَتْ حَتَّى قَامَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - فَأَقَامَهَا أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3679)