فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 531

ضَاحِكًا. يَقُولُ: «أَبْشِرُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا جَعَلْتُ مَكَانَهُ فِي النَّارِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» مسند أحمد [1]

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ"رواه مسلم [2] .

(1) - مسند أحمد مخرجا (32/ 422) (19654) صحيح لغيره

(2) - صحيح مسلم (4/ 2280) 17 - (2969)

(لأركانه) أي جوارحه (أناضل) أي أدافع وأجادل]

هَلْ تَدْرُونَ مِمَّا أَضْحَكُ)؟ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الضَّحِكُ إِلَّا لِأَمْرٍ غَرِيبٍ وَحُكْمٍ عَجِيبٍ (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ (قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْنِي) : مِنَ الْإِجَارَةِ أَيْ أَلَمْ تَجْعَلْنِي فِي إِجَارَةٍ مِنْكَ بِقَوْلِكَ: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] (مِنَ الظُّلْمِ) ؟ وَالْمَعْنَى أَلَمْ تُؤَمِّنِّي مِنْ أَنْ تَظْلِمَ عَلَيَّ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - (يَقُولُ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى فِي جَوَابِ الْعَبْدِ (بَلَى) قَالَ: (فَيَقُولُ فَإِنِّي) أَيْ: فَإِذَا أَجَرْتَنِي مِنَ الظُّلْمِ فَإِنِّي (لَا أُجِيزُ) : بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: لَا أُجَوِّزُ وَلَا أَقْبَلُ (عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي) أَيْ: مِنْ جِنْسِي ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ شَهِدُوا عَلَيْنَا بِالْفَسَادِ قَبْلَ الْإِيجَادِ.

(قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا) : نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ وَعَلَيْكَ مَعْمُولُهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي فَاعِلِ كَفَى، وَالْيَوْمَ ظَرْفٌ لَهُ أَوْ لِشَهِيدٍ (وَبِالْكِرَامِ) أَيْ: وَكَفَى بِالْعُدُولِ الْمُكَرَّمِينَ (الْكَاتِبِينَ) أَيْ: لِصُحُفِ الْأَعْمَالِ (شُهُودًا) .قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِذَا قُلْتَ: دَلَّ أَدَاةُ الْحَصْرِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: كَفَى بِنَفْسِكَ وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ؟ قُلْتُ: بَذَلَ مَطْلُوبَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا (قَالَ: فَيُخْتَمُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى فِيهِ) أَيْ: فَمِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65] ،وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24] ،وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ} [فصلت: 20] ،وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ) أَيْ: لِأَعْضَائِهِ وَأَجْزَائِهِ (انْطِقِي) .قَالَ: (فَتَنْطِقُ) أَيِ: الْأَرْكَانُ (بِأَعْمَالِهِ) أَيْ: بِأَفْعَالِهِ الَّتِي بَاشَرَهَا وَارْتَكَبَهَا بِسَبَبِهَا، (ثُمَّ يُخَلَّى) أَيْ: يُتْرَكُ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ) أَيْ: يُرْفَعُ الْخَتْمُ مِنْ فِيهِ ; حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ الْعَادِيِّ، فَشَهَادَةُ أَلْسِنَتِهِمْ فِي الْآيَةِ يُرَادُ بِهَا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ. (قَالَ: فَيَقُولُ) أَيِ: الْعَبْدُ (بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ هَلَاكًا، وَهُمَا مَصْدَرَانِ نَاصِبُهُمَا مُقَدَّرٌ، وَالْخِطَابُ لِلْأَرْكَانِ أَيِ: ابْعُدْنَ وَاسْحُقْنَ (فَعَنْكُنَّ) أَيْ: عَنْ قِبَلِكُنَّ وَمِنْ جِهَتِكُنَّ وَلِأَجْلِ خَلَاصِكُنَّ، (كُنْتُ أُنَاضِلُ) أَيْ: أُجَادِلُ وَأُخَاصِمُ وَأُدَافِعُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ أُخَاصِمُ لِخَلَاصِكُنَّ، وَأَنْتُنَّ تُلْقِينَ أَنْفُسَكُنَّ فِيهَا، وَالْمُنَاضَلَةُ الْمُرَامَاةُ بِالسِّهَامِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمُحَاجَّةُ بِالْكَلَامِ، يُقَالُ: تَنَاضَلَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ إِذَا تَكَلَّمَ عَنْهُ بِعُذْرٍ وَدَفَعَ. قُلْتُ: وَجَوَابُهُنَّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت: 21 - 23] .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3527)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت