فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُمَّتِي فِي الْأُمَمِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ» فَخَفَّفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ"مسند أحمد [1] "
عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَوْمًا:"أَلَا أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِي الْكِتَابِ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ، فَأَعْطَاهُمُ الْمَالَ حَلَالًا لَا حَرَامَ فِيهِ، وَعَبَدُوا الطَّوَاغِيتَ، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُمْ، فَأُبَيِّنُ لَهُمْ الَّذِي جَبَلَهُمْ عَلَيْهِ، فَخَاطَبْتُ رَبِّي: إِنْ أَتَيْتُهُمْ ثَلَغَتْ قُرَيْشٌ رَأْسِي كَمَا تَثْلَغُ الْخُبْزَةَ، فَقَالَ لِي: امْضِ أُمْضِكَ، وَأَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَاتِلْ مَنْ عَصَاكَ بِمَنْ أَطَاعَكَ، فَإِنِّي سَأُعْطِي مَعَ كُلِّ جَيْشٍ تَبْعَثُهُ عَشَرَةً أَمْثَالَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَنَافِخٌ فِي صُدُورِ عَدُوِّكَ الرُّعْبَ، وَنُعْطِيكَ كِتَابًا لَا يَمْحُوهُ الْمَاءُ أُذَكِّرُكَهُ نَائِمًا وَيَقْظَانًا، فَأَبْصِرُونِي وَقُرَيْشًا وَقُرَيْشًا هَذِهِ، فَإِنَّهُمْ دَمُّوا وَجْهِي وَسَلَبُونِي أَهْلِي، وَأَنَا مُبَادِئُهُمْ، فَإِنْ أَغْلِبْهُمْ يَأْتُوا مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ طَائِعِينَ أَوْ كَارِهِينَ، وَإِنْ يَغْلِبُونِي فَإِنِّي كُنْتُ عَلَى شَيْءٍ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ"الطبراني [2]
وعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ:"أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ"
(1) - مسند أحمد مخرجا (45/ 482) (27489) حسن
(2) - المعجم الكبير للطبراني (17/ 363) (997) صحيح لغيره
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِنَقِفَ عَلَى الْمُرَادِ بِمَا فِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَوَجَدْنَا الْحَنَفَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْمَيْلُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِصَاحِبِ الْقَدَمِ الْمَائِلَةِ إِلَى نَاحِيَةٍ: أَحْنَفُ، وَكَانَ الْجَمْعُ لِلْحَنِيفِ حُنَفَاءَ، فَقِيلَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَا قَدْ قِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ حُنَفَاءَ، أَيْ مُيَّلًا إِلَى مَا خُلِقُوا لَهُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ،وَكَانُوا بِذَلِكَ حُنَفَاءَ، وَكَانَ فِي خَلْقِهِ إِيَّاهُمْ أَنْ كَتَبَ بَعْضَهُمْ سَعِيدًا، وَكَتَبَ بَعْضَهُمْ شَقِيًّا عَلَى مَا فِي الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ، وَكَانَ الشَّقِيُّ مِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ الشَّيَاطِينَ فِيمَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ هَذَا، وَالسَّعِيدُ مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِمْ، وَتَمَسَّكَ بِمَا خَلَقَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَتَرْكِ الْمَيْلِ إِلَى سِوَاهُ"شرح مشكل الآثار (10/ 10) "