وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الرُّوحِ الأَمِينِ قَالَ: قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يؤتى بسيئات العبد وبحسناته فتقص، أو تقصا فَإِنْ بَقِيَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وُسِّعَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ."مسند البزار [1] "
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ إِذْ رَأَيْنَاهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ:"رَجُلَانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلِمَتِي مِنْ أَخِي، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلطَّالِبِ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِأَخِيكِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي"قَالَ: وَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ ذَاكَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ يَحْتَاجُ النَّاسُ أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُمْ مِنْ أَوْزَارِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ:"ارْفَعْ
(1) - مسند البزار = البحر الزخار (11/ 419) (5272) حسن لغيره
وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا عَفْوَ وَلَا شَفَاعَةَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ يَرْضَى خَصْمُهُ بِمَا أَرَادَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعْنِي حَقِيقَةَ الْمُفْلِسِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَمَنْ قَلَّ مَالُهُ، فَالنَّاسُ يُسَمُّونَهُ مُفْلِسًا، وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَةَ الْمُفْلِسِ، لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَزُولُ وَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ وَرُبَّمَا انْقَطَعَ بِيَسَارٍ يَحْصُلُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ الْمُفْلِسِ، فَإِنَّهُ يَهْلَكَ مِنَ الْهَلَاكِ التَّامِّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ الْمُبْتَدَعَةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وَهُوَ بَاطِلٌ وَجَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْرِهِ، فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ لِغُرَمَائِهِ، فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ خُصُومِهِ، فَوُضِعَتْ عَلَيْهِ، فَحَقِيقَةُ الْعُقُوبَةِ مُسَبَّبَةٌ عَنْ ظُلْمِهِ وَلَمْ يُعَاقَبْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا مِنْ ضَرُورَةِ قَضِيَّةِ الْعَدْلِ الثَّابِتِ لَهُ تَعَالَى بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ، فَإِنَّ الظَّالِمَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ مِنْهَا وَغَلَبَتْ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، فَإِنْ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ يَبْقَى حَقُّ الْمَظْلُومِ ضَائِعًا، وَإِنْ أُدْخِلَ النَّارَ يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 8] وَسَيَأْتِي أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ مِمَّا لَا يُتْرَكُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا أَخْذَ الْحَسَنَاتِ وَإِمَّا وَضْعَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ خِفَّةُ مِيزَانِ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ فَيُعَذَّبُ بِقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِسَبَبِ الْحَسَنَاتِ الْبَاقِيَةِ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ، وَإِلَّا بِبَرَكَةِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَهَذَا مِنَ الْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ الْمُؤَيِّدَةِ بِالشَّوَاهِدِ وَالْأَدِلَّةِ اللَّائِحَةِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3202)