عَنْ حُذَيْفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ أَثَابَهُ جَلَّ وَعَزَّ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ» المستدرك على الصحيحين للحاكم [1]
عَنِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: مَنْ تَرَكَ الْخَمْرَ، وهُو يَقْدِرُ عَلَيْهِ لأَسْقِيَنَّهُ مِنْهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ، وَمَنْ تَرَكَ الْحَرِيرَ، وهُو يَقْدِرُ عَلَيْهِ لأَكْسُوَنَّهُ إِيَّاهُ فِي حظيرة القدس."مسند البزار [2] "
(1) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 349) (7875) والزهد لهناد بن السري (2/ 651) والمعجم الكبير للطبراني (8/ 208) (7842) وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 187) وشعب الإيمان (7/ 305) (5048) من طرق حسن لغيره
النظرة - بفتح أوله، وسكون ثانيه من النظر للمرأة - والنظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء، ورؤيته، وقد يراد به التأمل، والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الروية. يقال: نظرت فلم تنظر؛ أي: لم تتأمل، ولم تترو، والسهم واحد النبل، وهو مركب النصل، وما يرمى به، وما يضرب به من القداح ونحوه. والجمع: أسهم، وسهام.
والمعنى: أن الله تباركت أسماؤه، وتنزهت صفاته يخبرنا: أن النظرة. الواحدة من الإنسان إلى المرأة الأجنبية، أو الصبي الأمر للتلذذ والاستمتاع، وإلى أموال الناس شرها، وبغضًا، وحسدًا سهم مسموم من سهام إبليس اللعين، يسلط على العبد، فيصيب به قلب المؤمن، فيصليه نار المعصية، والمخالفة، ويبعد عن الله جل ذكره، فمن جاهد نفسه، وترك هذه النظرة؛ مخافة الله عز وجل؛ فإن الله سيبدله إيمانًا، ويقينًا، يجد حلاوته في قلبه، فليختبر الإنسان بين مطاوعته نفسه، وإعطائها حظها، فيتعرض لسموم إبليس وجنوده، وبين أن يكف نفسه، وهواه، فلا ينظر إلى ما تقدم ذكره، فيستجلب رضا الرحمن، ويتعرض لثوابه، واللذة القلبية الإيمانية التي حلت في قلبه إعراضًا عن المعصية، وعدم التفاتٍ إلى ما ترغب فيه النفس. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 115)
(2) - مسند البزار = البحر الزخار (13/ 475) (7381) حسن
والمعنى: أن من ترك شرب الخمر، بأن لم يشربه ابتداء، أو تركه بعد أن شربه مدة، وهو يقدرعلى شربه؛ ليسقينه المولى جل ذكره من خمر الجنة في حظيرة القدس - أي: في الجنة- التي قال الله تعالى في وصفها في كتابه المبين: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 45 - 47] أي: يُطاف على أهل الجنة بكأس فيه خمر يجري كما تجري العيون على وجه الأرض، وهذه الكأس بيضاء، صافية اللون، ترى من الظاهر، ذات لذة، وأشد بياضًا من اللبن، وليس كخمر الدنيا، يغتال العقول، ويذهب بها -ولا يسكرون بعد شربها، فلا يصيبهم منها مرض، ولا صداع، وتغيب، بل يملكون حواسهم، وشعورهم، ويجدون لذة لوعرضت على أهل الدنيا لماتوا من شدة لذتها واستطابتها. اللهم لا تحرمنا منها!
والخمر جاء الشرع بتحريمها، واستنكارها، وبيان مضارها، واستفظاعها، والتهديد لمن شربها ووعيده. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:90 - 91] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء:43] وقال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] الآية. أخبر سبحانه بأن الخمر، والميسر فيهما إثم كبير؛ لأن مضرتهما كبيرة، ولا إثم إلا فيما كان ضارًا، فإثم شارب الخمر ينشأ من فساد عقله، وإضعاف القوة العاقلة، فيصدر عنه ما يصدر عن فساد العقل من المخاصمة، والمشاءمة، وقول الفحش، والزور، وإفشاء السر، لاسيما في السياسة الدولية؛ فإن كثيرًا من الأسرار الحربية تؤخذ بطريق السكر، وله حوادث كثيرة متكررة، وتعطيل الصلوات، وسائرما يجب عليه، ومخالطة الفساق، والفجار، وغشيان بيوت الدعارة، والملاهي، وضياع الأموال، وغير ذلك مما فساده ظاهر لكل عاقل. هذه مضاره الخلقية، والمالية، وأما مضاره الصحية: إفساد، وفقد شهوة الطعام، وتغيير الخُلُق، فالسكارى تسرع إليهم النشوة، فتجحظ أعينهم، وتمتقع سحنتهم، وتعظم بطونهم. ومرض الكبد، والكلى، وداء السل الذي يفتك في البلاد الأوروبية فتكًا ذريعًا على عناية أهلها بقوانين الصحة، ولكن لا وقاية من شرور السكرإلا بتركه. وقد قيل: إن نحو نصف الوفيات في بعض بلاد أوربا بداء السل. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 185)