عَبْدِي، وَأَنَا رَقِيبٌ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، إِنَّ عَبْدِي هَذَا أَخْلَصَ عَمَلَهُ فَاكْتُبُوهُ فِي عِلِّيِّينَ» الزهد والرقائق لابن المبارك [1]
عَنْ شَقِيقٍ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي الْجَنَّةِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: يَا عِبَادِي، مَاذَا تَشْتَهُونَ؟ قَالُوا: يَا رَبَّنَا، مَا فَوْقَ هَذَا شَيْءٌ، قَالَ: فَيَقُولُ: عِبَادِي، مَاذَا تَشْتَهُونَ؟ فَيَقُولُونَ فِي الرَّابِعَةِ: تَرُدُّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا فَنُقْتَلُ كَمَا قُتِلْنَا" [2] وفي رواية زاد في آخره .."قَالَ: فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا هَذَا تُرِكُوا"إثبات عذا القبر للبيهقي [3] "
وعن جَابِر، قال: لَقِيَنِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ لِي:"يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا"؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَقَالَ:"أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ"؟ قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِك، قَالَ: تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ قَتْلَةً ثَانِيَةً، قَالَ اللَّهُ: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ"،وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] صحيح ابن حبان [4]
(1) - الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/ 153) (452) ضعيف
(2) - المعجم الكبير للطبراني (10/ 202) (10466) صحيح
(3) - إثبات عذاب القبر للبيهقي (ص: 67) (76) صحيح
(4) - تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (3/ 233) (7022) (صحيح)
وقد تضمَّن هذا الحديث فضيلة عظيمة لعبدالله لم يُسْمَع بمثلها لغيره، وهي: أن الله تعالى كلَّمه مشافهة بغير حجاب حجبه به. ولا واسطة قبل يوم القيامة، ولم يفعل الله تعالى ذلك بغيره في هذه الدَّار، كما قال تعالى: {وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا} .وكما قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في هذا الحديث: (( وما كلَّم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب ) ).وظاهر هذه الآية، وهذا الحديث: أن الله تعالى لم يفعل هذا في هذه الدَّار لحيٍّ ولا لميت، إلا لعبدالله هذا خاصَّة، فيلزم على هذا العموم: أنه قد خُصَّ من ذلك بما لم يُخَصّ به أحدٌ من الأنبياء. وهذا مشكل بالمعلوم من ضرورة الشرع، ومن إجماع المسلمين على: أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء كما تقدم، فوجه التَّلفيق: أن قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (( وما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجاب ) )؛ إنما يعني به -والله أعلم: أنه ما كلَّم أحدًا من الشهداء، وممن ليس بنبي بعد موته، وقبل يوم القيامة، إلا عبدالله، ولم يرد به الأنبياء، ولا أراد بعد يوم القيامة، لما قد علم أيضًا من الكتاب والسنة، وإجماع أهل السُّنَّة من: أن المؤمنين يرون الله تعالى في الجنة، ويُكلِّمهم بغير حجاب، ولا واسطة. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (20/ 119)